الشيخ الطاهر زعطوط عميد “الحَلْقة” بدكالة

img

بقلم حسن فاتح

zaatout

الشيخ “الطاهر زعطوط” يعرفه الجميع، الأساتذة والمعلمون ولاعبو كرة القدم والمحامون والشرطة والباعة وكل دروب المدينة،  بنى شهرته رفقة منافس شرس له في فن الحلقة هو “ولد قرد” الذي جمعته وإياه منازلات مشهودة في فنون الأداء الحي، الذي يجعل من هذين الشخصين مثل شخصيتين أسطوريتين خارجتين من النصوص القديمة للإلياذة والأوديسا.

في الوقت الذي كان فيه “ولد قرد” شخصا رشيقا أقرب إلى صورة رماح في جيش شرس، كان الشيخ “الطاهر زعطوط” بقامته وثقله البدني أشبه ب”دكاكة” تأتي على الأخضر واليابس.
ليس الأمر مجرد تشبيه، بل حقيقة تسعى على قدميها، وفي”الحلقة المشتركة” التي كانا يقيمانها في ساحة سور الملاح أو في الكريمات قرب “الفندق” كانا يوحدان الجهد والمال المشترك الذي يجنيانه من عرقهما حلالا طيبا.

الحلقة الوحيدة في دكالة العامرة، والتي كانت تقف فيها النساء دون حرج، النساء والرجال شقائق في حلقة الشيخ الطاهر أو ولد قرد، هناك يتعلم الناس أمور الدين والدنيا، والحرث والنسل والكرم والشح، وهناك أيضا يحصلون على النصائح، ويفتحون أفواههم حتى يطوف بها الذباzatoutب أو يطوف بجيوبهم طائف، يقلب على الصرر المدسوسة بعناية.

الشيخ الطاهر كنا نحبه، لأنه بسيط، ولأن نكتته قادمة من أعماق الثقافة البدوية، فهو رجل غير متعلم، لكنه يحفظ آيات من الذكر الحكيم وأحاديث يزيد أو ينقص فيها بحسب المقام والأحوال، وقصص ينسبها إلى الخلفاء أو الأنبياء أو إلى مولاي عبد القادر الجيلالي ومولاي عبد الله.

لكن أجمل حكاويه حين ينكت على نفسه، كانت موهبته القصوى في السخرية من الذات، وكان يقول مثلا إن هذا «العود بو الركابي» الواقف أمامكم عندما يموت، لن يبقى منه لا طاهر ولا زعطوط، سيأكله الدود.
وحين كان يتحدث عن الحشر واليوم الآخر، كان يضرب صدره الذي يشبه طبلا حقيقا، ويصيح “اقرأ كتابك”.
وعلى ذكر القراءة، كانت الشيخ الطاهر مهووسا بالقراءة، بل كان يتعجب من هذا الجيل الجديد “جيل قيمش” الذي يعرف كل شيء، يعرف القراءة والكتابة وقراءة الرسائل وأسماء الأزقة و”البلايك”، وحين يكون يتحدث عن القراءة في حلقته العامرة كان يتوجه إلى أحد أصحاب الجلابيب المنفوخة الذين أطالوا الجلوس في الحلقة دون أن يمدوا أيديهم إلى جيوبهم ويقول بنبرته الساخرة “اتكعد عل الطرنابي آسي” أو يبادر المأخوذ بالحكاية “آسد فمك راه الموت كاتسارا”.. وأحب الأرقام إلى الشيخ الطاهر، كانت «كرانتسيس»، أي 46، كان يحب هذا الرقم، ويستعمله في سياقات مختلفة، لقد كان الرقم في حقيقة الأمر بالنسبة إليه مثل لعبة أو سر أو تسلية أو حلية تميزه عن بقية أهل الحلقة من دكالة إلى مكناسة الزيتون.

ARTISTE.ZAATOOT1 (1)الشيخ الطاهر لم يكن يعرف خرائط المدن، كان يعرف خرائط الأسواق، يعرف “لاربعا” و”الزاوية ديال سيدي اسماعين” و”الحد ديال ولاد افرج” و”سوق الثلاث” و”السبت ديال ولاد بوعزيز”، و”السبيت ديال الجديدة”، وأما أبعد نقطة “عمل” فيها الحلقة، فكانت حين استضافه ولد قرد في “زطات”، أي إقليم سطات، عاد من هذه السفرة وقد تغير نهائيا، لا على مستوى المهنة ولا على مستوى “الفلوس” كان يقول إن أهل الشاوية كرام، وأنهم كانوا يغدقون عليه بلا حساب، وأنه جلس إلى “طلبتها” وأكل من قصاعهم العامرة باللحم، كما كان الرجل يحكي في حلقتة الدكالية تلك الحكاية التي يقول فيها إنه حينما كان “يعمل” الحلقة رفقة “ولد قرد” في سطات، شاء له القدر أن يغادر ولد قرد الحلقة باكرا بسبب عارض عائلي، فما كان منه إلا أن يتم الحلقة وحده، وتلك مهمة صعبة وتحد كبير في بلاد”الغربة”، يقول الشيخ الطاهر: “ملي بديت وواحد لمرا واقفا في الحلقة مابغات تتحرك. غنيت، غوت على جدودي، دردكت، شطحت، هزيت تراب الحلقة بكدامي.. والمرا واقفا، مابغات تمشي. كلت للناس، صلوا عل النبي، ولعندو شي خيما يمشي ليها، جمعت جلابتي تحت طابكي، وبغيت نمشي، المرا مزال واقفا، كلت ليها آش بغيت آلالا؟ سيري لخيمتك؟ كالت لي عجبتني آسيدي هاذيك الدرديكة ديالك، واش تمشي معايا تدرس شي فول بالخامسة”.. ثم يستطرد منتشيا في صوت عالي النبرة: “بو الركابي ما يصلاح ع لدراس”.

توفي الحاج الطاهر زعطوط رحمه الله وهو في حالة من العوز، لأنه لم يجد الخلف الذي يسند السلف، يتذكره أجيال الستينيات، السبعينيات وحتى الثمانينيات بحكاويه ودعاباته وخفة ردوده الساخرة على المتفرجين بالمواسم والحلقات، لكن القليل يتذكر أن الطاهر توفي وقلبه عامر بالايمان وميزانه مليء بالصدقات، وخير صدقة هو بناؤه لمسجد بالقرية التي ينتمي اليها.

zaatout 2

رحم الله الشيخ الطاهر وليجعل الله حسناته وصدقاته أثقل من سيئاته.

عن مجموعة مقالات وبتصرف 

 

 

الكاتب admon

admon

مواضيع متعلقة

5 تعليق على “الشيخ الطاهر زعطوط عميد “الحَلْقة” بدكالة”

  1. Ahmed Sedigui
    الطاهر كان ربما فيلسوفا بالفطرة فمن اقواله:
    – الى شتي واحد كيحسن قول للاخر ايرطب ( جدلية)
    – انا نضحكم واولادي يضحكو اولادكم وأولاد أولادي يضحكو اولاد اولادكم وسرنا تريكة تعت المزاليط مول الحلقة واللي كيتفرجو فيه( فقر بالوراثة)
    – في نقده للنساء حين تزغرد إحداهن في حلقة منافسة( الراجل في الموقف وانت زغرت في الحلاقي )
    – حين كان يزعجه بائع المواد محاربة الفئران بمكبر الصوت يقول” من انهار ولا يتباع دوا الفئران في الاسواق ولا الفار يغلب المش”
    – البولة جرّأت على الفران،والسكويلة جرّأت على القران والظلم إللي كان غابر هاهو بان،ثم يضيف هاهو بان آش غادية ليه
    رحم الله الطاهر
    Voir la traduction

  2. Ayoub Jalala
    Ayoub Jalala Allah yre7mo kenna namchiw sou9 mardi à Azemmour netfarjo fih kin wa7ed sadi9 9dim a7ssan matajbad lih howa za3tout w7afed bezzaf klamo , w marhoum Taher kan sayfto mol sayyara ta3lim hna fi azemmour adda manassik al haj
    J’aime · Répondre · 1 · 13 h

  3. آلله يرحمو ويفسح عليه ضائقة القبور يا رب آمين. ملاحظة:الصورة الأخيرة بشارع محمد الخامس من تصوير المصور بوشعيب بوطافي كان يعمل مع جماهري وعرب سات قرب باطا بالجديدة.

اترك رداً