محمد أرسلان الجديدي … رجل الذهاء السياسي

img

téléchargement

شغل المرحوم محمد أرسلان الجديدي الرأي العام المحلي بالجديدة من موقعه رئيسا للمجلس البلدي، وشد انتباه الرأي العام الوطني من موقعه وزيرا وزعيما للحزب الوطني الديموقراطي وقائدا نقابيا .

وكثير من الناس لم يكتب لهم معرفة الرجل عن كثب، بل كانوا يسمعون عنه روايات شفوية تارة صحيحة ومرات مجانبة للحقيقة، ورغم كل ذلك تمكن الرجل من ترك بصمات واضحة على المشهد السياسي المحلي والوطني، بل تعترف له الجديدة بأنه كان وراء العديد من المكتسبات التي تحققت لها .

محمد الجديدي إسمه الشخصي، وأرسلان لقبه العائلي، ينحدر أصلا من قبيلة الغربية، أطلق صرخته الأولى سنة 1926 بمدينة الجديدة، وبعد حين انتقل إلى الرباط وهناك تلقى تعليمه ليتخرج معلما للغة الفرنسية، إذ عين أول الأمر بمدينة أكادير واستمر يدرس اللغة الفرنسية، إلى حين أن تقدم لمباراة لولوج وظيفة بالمكتب الشريف للفوسفاط بخريبكة، وهناك وفي عنفوان الشباب يحتضن الشاب أرسلان من طرف الاتحاد المغربي للشغل النقابة التي كان يتزعمها المحجوب بن الصديق، ومع مرور الأيام اشتد عوده النقابي وراح يتزعم إضرابات صاخبة، أقلقت النظام يومذاك وهو الأمر الذي جعل الدولة تقرب منها هذا الشاب القادم من عمق بادية دكالة، وتدخله دواليبها ليغرد داخل السرب وليس خارجه، وهكذا سيعينه الراحل الحسن الثاني مندوبا ساميا للإنعاش الوطني، ثم فيما بعد وزيرا للشبيبة والرياضة في حكومة كان يقودها محمد كريم العمراني، ثم وزيرا للشغل والتكوين المهني .

كان حضور محمد أرسلان الجديدي بداية نقابيا ثم رجل دولة، وفي سنة 1976 يحل الرجل بالجديدة قادما إليها من الرباط، ليقود حملة انتخابية جماعية ضمن “الأحرار” بالورقة البيضاء، وكانت الدولة اختارته في مهمة انتحارية لكسر شوكة الدكتور عبدالكريم الخطيب، لأن هذا الأخير الذي كان يتزعم حزب الحركة الشعبية الدستورية، بدأت نواياه الإسلامية تظهر بوضوح، ولكسر شوكة الاتحاديين الذين اشتد عودهم وصاروا يقلقون النظام بشكل غير مسبوق وكان لونهم الانتخابي هو الأصفر، ولذلك لم يتردد أرسلان في تجمع خطابي قرب الملاح في كشف أسباب مجيئه إلى الجديدة، حين خاطب الحاضرين حنا جينا نجلبو لبوصفير في إشارة منه للاتحاديين، بل إن أرسلان كان يتحدث بالسهل الممتنع وبخطاب عروبي يفهمه كل الناس، ومنه أنه قال للمنصتين إليه في حملته الانتخابية أن الاشتراكية هي الشرك بالله .

تمكن أرسلان من سحق الخطيب، وترؤس المجلس البلدي في الفترة ما بين 1976 و 1983، وانتخب نائبا برلمانيا سنة 1977 عن دائرة أزمور وترشح هناك للتصدي للدكتور عبدالله العروي مرشح الاتحاد الاشتراكي، ومما قاله في الحملة ضده “هاذْ العَرْوي إلىَ كانْ مُخْ في التاّريخْ يْوَرٌّينا الحُفْرة فِينْ جاتْ في آزمور” .

في سنة 1979 يؤسس أحمد عصمان التجمع الوطني للأحرار، لتدفع الدولة بأرسلان للانشقاق عنه حين أسس الحزب الوطني الديموقراطي واختار له اللون الكاكي ، ودخل به انتخابات 1983 وخرج مندحرا أمام المرحوم الطاهر المصمودي الذي فاز ب30 دائرة من أصل 31 .

وبتعليمات من أم الوزارات رحل أرسلان إلى أولاد افرج سنة 1984، حيث أرسل لمهمة انتحارية جديدة تتعلق بكسر شوكة الاتحاديين الذين برزوا بشكل كبير بقيادة “شْقَرْبَلْ” وأتباعه ، وليبرر أرسلان ترشيح نفسه في قبيلة أولاد افرج الذي لا يرتبط معها برابط، قال في تجمع خطابي أثناء حملته الانتخابية “أنا جِيتْ ترشَّحْتْ عَنْدكُومْ لأن سيدي مَسْعُودْ وْقَفْ عْلِيَّا في المْنامْ وطْلَبْ مِنِّي نْترَشَّحْ بأولاد افرجْ” .

وفاز محمد أرسلان بالمقعد النيابي في برلمان كان ترأسه أحمد عصمان، وخلال هذه الفترة تقدم الاتحاديون بملتمس رقابة لإسقاط الحكومة، وكان انضم إليهم أرسلان وساندهم في البداية، وتأزمت أمور الحكومة وكان الملتمس يسير في اتجاه حجب الثقة عنها، وهنا وبطلب من وزير الداخلية يتراجع أرسلان عن مؤازرة الاتحاديين، حين تناول الكلمة بقبة البرلمان مخاطبا الاتحاديين، بقوله “صحيح أنا ساندتكم في البداية لإسقاط الحكومة، واليوم أتراجع لأنني لما اطلعت على ملتمسكم فهو ما يْطَيَّحْ حتىّ مْقدَّمْ دْيَالْ حُومَة” .

وفي سنة 1992 عاد أرسلان قويا للمشاركة في الانتخابات الجماعية، وكان ختم حملته في تجمع بميناء المدينة بخطاب شهير قال فيه “إن أصحاب المصمودي دَخْلُوا للبلدِيَّة دْجَاجْ وخَرْجُوا مَنْها بِيبي”  ، وفاز بها بأغلبية 22 عضوا وفاز الكثيري ب6 مقاعد والاستقلال بمقعد والحركة الشعبية بمقعد والاتحاد الدستوري بمقعد واحد، وبذلك يكون أرسلان الرئيس الوحيد الذي يحظى بثقة الجديديين لمرتين، وكانت الانتخابات جرت في نوفمبر وبعد 4 أشهر يتعرض الرجل لوعكة صحية بدا منذ أول الأمر أنها غير عابرة، وهو ما دفعه أن يستقر بالرباط للعلاج ويترك أمر البلدية لأحد نوابه، ومع مرور الشهور بدأت شعبية الرجل تنهار بسرعة مريبة، ولما حلت الانتخابات التشريعية سنة 1993 تلقى هزيمة منكرة على يد الاتحادي المصطفى الكثيري الذي حصل على 23 ألف صوت بينما لم يتجاوز أرسلان 13 ألف صوت، وعندما كانت تنعقد دورات المجلس كان الكثيري يتباهى بفوزه وهو يخاطب أرسلان أنا أتناول الكلمة من موقعي نائبا برلمانيا للجديدة، وكان أرسلان يتجرع تباهي الكثيري بمرارة، ولما أجريت انتخابات الثلث غير المباشر فاز أرسلان ومحمد الزهراوي، وفي أول دورة للمجلس تناول الكلمة أرسلان وقال مخاطبا الحضور “أتناول الكلمة نائبا برلمانيا للجديدة … واسِّي الكثيري رَاهْ  الكتاف تْكَادّاتْ” .

ولما حاول الكثيري مرة أن يعترض على الحساب الإداري للبلدية ، نهض أرسلان من كرسيه وطلب من أعضائه “الكاكيين … المنسوبين للون الكاكي” وعددهم 21، وقال للكثيري الذي كان له 6 اتحاديين “أسّي المَصْطفى أنا خْرَجْت واحْبَسْ الحساب الإداري أنْتَ والأغلبية دْيالَكْ” .

لم يكن محمد أرسلان الجديدي أميا كما ظل يعتقد الكثيرون ، ولكن هو فضل أن يخاطب الناس بلهجة من عمق “عروبية دكالة” ، وتلك كانت الماركة المسجلة لحزبه الذي خرج من رحم التجمع الوطني للأحرار، بل كان رحمة الله عليه متشددا في انتمائه للبادية المغربية، وفي إحدى المرات وبالضبط في يوم 8 غشت من سنة 1995 انعقد اجتماع بمقر العمالة بحضور “لامين بن عمر” وزير السكان آنذاك، وتناول الكلمة العامل “أحمد عرفة” ورحب بالوزير والوفد المرافق له وبالحضور، وهنا تناول أرسلان الكلمة بغضب شديد وخاطب عرفة “آسِّي … الجْديدة مَاشِي دْيالَكْ رَاها دْيَالي .. وأنا العُمْدة .. وأنا لِّي نْرَحَّبْ بِيكْ وبالْوْزِيرْ مَاشِي أنْت”، ابتلع أحمد عرفة غضبة أرسلان وتفادى الرد عليه لأنه يدرك جيدا أنه إن فعل فهو سيجلب على نفسه عواقب غير محمودة .

محمد أرسلان الجديدي كانت الدائرة 5 بدرب لهلالي هي قاعدته الانتخابية ، وكان الناس متعلقين به للدرجة التي كانت فيها الكثير من الأحزاب السياسية تتحاشى أن ترشح ضده، ومع ذلك لم يمت الرجل سياسيا بالقدر الذي كان فيه اعتلال صحته، العامل الأساسي في ابتعاده عن المعارك الانتخابية التي كان بارعا فيها بامتياز ويتقن خططها، وهو الذي كان ينصح مرشحيه بأن يوم التصويت هو اليوم الحاسم في الانتخابات، وهو صاحب طريقة “البلوكاج” في مكاتب الاقتراع، ففي سنة 1992 نصح مرشحيه أن يدفعوا بأتباعهم للتصويت في الفترة ما بين 8 صباحا و4 عصرا ، ثم عادوا مرة أخرى إلى صفوف مكاتب الاقتراع من 4 عصرا إلى 6 مساء وكان دورهم عرقلة كل الناخبين الذين يوالون مرشحين آخرين.

سَيَّر أرسلان الجديدي بلدية الجديدة مرتين من 1976 إلى 1983 ومن 1992 إلى 1997 ، وبذلك يكون الرئيس الوحيد الذي حظي بثقة ناخبي الجديدة مرتين ، وتمكن خلال ولايته الأولى بالخصوص من تحقيق مكتسبات هامة لصالح الجديديين، ومنها معهد التكنولوجيا والمدرسة الفندقية والمصحة المتعددة التخصصات بوليكلينيك وجامعة شعيب الدكالي والمركز التربوي الجهوي لتكوين الأساتذة .

وعن قصة بناء جامعة شعيب الدكالي، يُحْكى أن وزير التعليم عزالدين العراقي كان رفض فتح مركز لتكوين الأساتذة بالجديدة، وطلب أرسلان من العلامة عبدالرحمان الدكالي إبلاغ المرحوم الحسن الثاني بالأمر، فما كان من جلالته أن قال لعبدالرحمان الدكالي “دكالة بلاد العلم والعلماء لا تحتاج إلى مركز تكوين فقط بل سأبني فيها جامعة وستحمل اسم والدك العلامة أبي شعيب الدكالي” ، وما أن وصل الخبر إلى الجديدة حتى بدأت السلطات تبحث لاهتة عن البقعة الأرضية التي بنيت فوقها جامعة شعيب الدكالي .

 

والذين يعرفون المرحوم “الحاج محمد” كما كان يحلو للجديديين المناداة عليه، عرفوه قويا بل حديديا لا يخاف وأنه سير البلدية بقوة الرئيس الذي كان يشعر معه الأعضاء المنتمين إلى حزبه “الكاكي” ، أنه  هو الذي كان نقلهم إلى دائرة الضوء الانتخابي، ومنهم “المصطفى أبا تراب” و”خليل برزوق” وهما من تلامذته الذين أخذوا منه حيله الانتخابية الذكية، ومنهم “شاكر الطاهر” الذي أخذ منه طريقته القوية في التحاجج والترافع السياسي وإدارة الحملات الانتخابية .

وفي سنة 1992 مباشرة بعد انتخابه رئيسا من جديد لبلدية الجديدة ، يصاب الرجل القوي بوعكة صحية ألزمته إقامة دائمة بسكنه باليوسفية بالرباط حيث كان يتلقى العلاج بأمر من جلالة المغفور له الحسن الثاني، وخلال مدة غيابه عن الجديدة تحرك مجموعة من الأعضاء لتوزيع التركة السياسية للرجل المريض ، ومنهم من بدأ يدبر مرحلة انتقالية لتفويت رئاسة البلدية للاتحادي المصطفى الكثيري، لتدخل السلطة على خط القضية حيث مُنح المصطفى لغنيمي تفويضا بإدارة شؤون البلدية وظل محمد أرسلان الجديدي رئيسا شبه شرفي لمدينة أحبها ودافع عنها وافتخر بأنه قدم لها خدمات لازالت تسبغ عليه الرحمات، وكانت وفاته في شهر يونيو من سنة 1999 بالرباط التي دفن فيها في جنازة مهيبة كانت تليق بالرجل وتاريخه .

هذا هو ابن دكالة وابن الجديدة “محمد أرسلان الجديدي” … الرجل العظيم الذي أحب مدينته حتى النخاع ودافع عنها في العلن وفي الكواليس، كسب …  وأكْسب شهرة لدكالة وللجديدة عبر تدخلاته “الشعبوية”، تناقلتها الألسن عبر أجيال عديدة، وتحولت فيما بعد الى نكت وحكم، رددها الكثيرون في جلساتهم، لكن لم يَدْرِ مُرددوها بأن هذا الرجل كانت له بصيرة فطرية لا يملكها نوابنا ووزرائنا الحاليين.

عن عبد الله غيتومي وبتصرف

الكاتب admon

admon

مواضيع متعلقة

اترك رداً