عبد الكبير الخطيبي … من الذاكرة الموشومة إلى ذاكرة دكالة

img

AVT_Abdelkebir-Khatibi_7496هو أديب وعالم اجتماع مغربي، متخصص في الأدب المغاربي، اهتم بتحليل النظم الثقافية المادية والرمزية، وقد أثارت أطروحاته النقدية وتصوراته الفكرية ردود أفعال متفاوتة، كما ظل طول حياته يبحث عن الخيوط المشتركة التي بإمكانها توحيد العالم العربي.

ولد الأديب “الجديدي” الخطيبي في يوم 11 فبراير من سنة 1938 بالجديدة، المناسب في تلك السنة ليوم عيد الأضحى (عيد الكبير)، مما جعل والده يطلق عليه اسم “عبد الكبير” تيمنا باليوم المقدس، إنه ثاني أبناء أسرة دكالية مكونة من 3 ذكور وبنتين، والده كان متعلّما من أصول فاسية وإماما لمسجد، مارس مهام التجارة الكبرى ليستقر به الحال بمدينة الجديدة سنة 1930، ثم تزوج من سيدة تعود أصولها الى قبيلة بني هلال الدكالية، وهي ابنة ل”امْعَلَّم” بارع في فن الزليج المغربي، هذا الفن الذي خلف آثارا هامة في حياة الخطيبي الابداعية بعد ذلك.

“الخطيبي” ولادة دكالية وتكوين مغربي عالمي: بدأ الشاب عبد الكبير أقسامه الابتدائية بالجديدة، ثم التحق بإعدادية سيدي محمد بمراكش عام  1950 كتلميذ داخلي، قبل أن يعرج على ثانوية ليوطي الفرنسية بالدارالبيضاء للحصول على الباكالوريا عام 1957، وبعدها بدأ ينهم في الدراسات الفلسفية عند سنة 1959  بجامعة السوربون الفرنسية، وبها سينخرط مبكرا في حركة اشتراكية مغربية للطلبة المتجمعين حول l’U.N.E.M ، فبدأت هوايته بالكتابة في جريدة “المُفَقّْه”، حيث حصل على الدكتوراه عام 1965 حول حول “الرواية المغاربية”، إذ تطرق في بحثه إلى إشكالية تجنب روائيٍّ الدعايةَ في سياق مجتمع في حقبة ما قبل الثورة، وعند عودته الى المغرب سنة 1964 تقلد مسؤولية إدارة معهد السوسيولوجيا بالرباط، لتقوم السلطات المغربية بإغلاقه بعد ذلك متشككة في كون المعهد يقوم بالتأثير وبتأطير الطلبة المعارضين للنظام الملكي.

بروز عالم اجتماع من عمق المغرب العميق: يعد الخطيبي ابنا شرعيا للمغرب العميق، فلم تنجبه بيوتات فاس المخملية، بل نشأ في أحضان دكالة بالجديدة، ومنها اختار الانتماء إلى قارة علم الاجتماع، متوجا مساره الدراسي بالحصول على الدكتوراه من جامعة السوربون سنة 1969، ليعود إلى المغرب و يمارس التدريس الجامعي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، بعدما خبر قبلا محنة إغلاق معهد السوسيولوجيا، ليتوج مساره المهني بمنصب المدير العام للمعهد الجامعي للبحث العلمي، لا يجد الخطيبي معناه إلا في رحاب الكلمة، لهذا انشغل بتوسيع دوائر النقاش منذ البدء، فقد كان يدير مجلة “علامات الحاضر”، كما كان يرأس تحرير “المجلة المغربية للاقتصاد والاجتماع”، و لعل هذا الانشغال العميق بالحرف و السؤال هو ما جعله يفوز بعدد من الجوائز ويحظى بتكريمات مستحقة، فقد فاز بجائزة الأدب في الدورة الثانية لمهرجان “لازيو بين أوروبا والبحر الأبيض المتوسط” في ايطاليا، عن مجمل أعماله الأدبية وتجاربه التي انطلقت في أواخر ستينات القرن الماضي، وذلك لمساهمته في خلق لغة أدبية وطنية ومستقلة في مجال العلوم الاجتماعية، والتزامه بقضايا المساواة الثقافية والتنوع الفكري بالمغرب، كما حصل في أواخر حياته على جائزة “الربيع الكبرى” التي تمنحها جمعية “أهل الأدب” الفرنسية، و ذلك عن مجمل أعماله الشعرية.

مسؤوليات الخطيبي الأكاديمية لمدى الحياة: تقلد الخطيبي عدة مناصب أكاديمية، حيث شغل أستاذا جامعيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، ثم مديرا لمعهد السوسيولوجيا السابق بنفس المدينة، وعين بعدها مديرا للمعهد الجامعي للبحث العلمي، كما انضم عبد الكبير الخطيبي مبكرا إلى اتحاد كتاب المغرب في ماي عام 1976، ثم عمل رئيسا لتحرير “المجلة الاقتصادية والاجتماعية للمغرب”، و مدير مجلة “علامات الحاضر” ، وبتعليمات خاصة من الملك محمد السادس، احتفظ الخطيبي مدى الحياة بصفته أستاذا جامعيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، مع منحه كافة الامتيازات والحقوق.

مسار أدبي استثنائي للخطيبي في العالم العربي: كان منهج الخطيبي “استثنائيا”  في العالم العربي، فالكتابة بالنسبة إليه مغامرة تقتضي تفكيك الأشياء وممارسة النقد المزدوج للتراث ولمعرفة الآخرين، وتقتضي إلغاء الحدود المصطنعة بين الأجناس الأدبية وبين أنواع الكتابة، حيث قال عنه رولان بارت “إنني والخطيبي نهتم بأشياء واحدة، بالصور والأدلة والآثار، وبالحروف والعلامات، وفي الوقت نفسه يعلمني الخطيبي جديداً، يخلخل معرفتي، لأنه يغيّر هذه الأشكال، كما أراه يأخذني بعيدا عن ذاتي، إلى أرضه هو، في حين أحسّ كأني في الطرف الأقصى من نفسي”.

وفي نفس السياق يقول عنه الروائي محمد برادة: “إن نقد الرواية جزء من مغامرة الكتابة عند الخطيبي، وهو عندما نشر دراسته عن الرواية في بلدان المغرب العربي عام 1968، كانت معظم الدراسات النقدية المكتوبة باللغة العربية تتخذ من النقد وسيلة لإمرار بعض التصورات الأيديولوجية المسبقة، أو لتكرار وصفات مدرسية عن المذاهب والاتجاهات الأدبية”.

abdelkebir-khatibiالهجرة “قسرا” من السوسيولوجيا الى الأدب: وفي مسار حياته نكتشف محنة السوسيولوجيا بالمغرب، فيكفي أن نعرف أنه كان مديرا لمعهد العلوم الاجتماعية بالرباط، و الذي تعرض خطأ واعتسافا للإغلاق، ظنا من صناع القرار آنئذ أنه يحمل التهديد إلى النظام، و أنه يفرخ أطر اليسار، لكنه بالرغم من واقعة الإغلاق و التهميش الذي جوبهت به شعب الفلسفة وعلم الاجتماع و علم النفس، فقد استمر في رتق أحلامه، و كتابة زمنه المستحيل، ربما هنا يكمن سر الانعطاف نحو الأدب، حيث حرية الانكتاب أكثر، و التخييل بلا حدود حمراء.

إن السوسيولوجيا المغربية التي انسجنت بين كليتي الآداب بالرباط و فاس ومعهد الزراعة مع بول باسكون انفرض عليها لوقت طويل الإقصاء والتهميش، بل إن التعامل معها ذلك مسكونا بالهاجس الأمني الذي انفضح جليا في إغلاق معهد العلوم الاجتماعية سنة 1970، وكذا في الرحيل المُلْغَز والمثير لبول باسكون سنة1985، كان الخطيبي واحدا من السوسيولوجيين المغاربة الذين تنطبق عليهم واقعة الهجرة في اتجاهين: من و إلى، فقد هاجر إليها في البدء حبا و التزاما، ومارس هذا الالتزام بكل امتلاء في رحاب معهد السوسيولوجيا المغتال خطأ، لكنه هاجر منها، و دون أن يرسم القطيعة، إلى مسارات الأدب و التحليل النفسي والفنون التشكيلية، فليس هو بذاك الذي تسرقه السوسيولوجيا من قلمه، إنه المتعدد واللا نهائي، راغب أبدا في الفهم و بلوغ المعنى، و لأجل ذلك فلا مناص من امتشاق كافة دروب القول اللذيذ.

معاناة عالم السوسيولوجيا اسمه الخطيبي : كان يؤدي الخطيبي ضريبة الانتماء إلى السوسيولوجيا في صمت، وضع في “ثلاجة” بلغة الإدارة، يدير ما يسمى بالمعهد الجامعي للبحث العلمي في بلاد لا تريد الاعتراف بأهمية البحث العلمي في التخطيط و البناء الاجتماعي، و أساسا في بلاد لا تخصص سوى 0,03 بالمائة من الناتج الداخلي الخام لهذا البحث الذي فُهِم خطأ على أنه بحث مخبري وتقني وعسكري بالدرجة الأولى، بمعنى أن البحث في العلوم الاجتماعية لا يفيد شيئا من هذه النسبة المخزية، لقد كان يعتصر ألم السوسيولوجيا المغربية في صمت، كان يعتصر مأزقية الوضع، يبحث عن إجابات شافية للمآل الملتبس والملغز، يحاول أن يفهم ما يحدث، يكتفي بالتأمل، و يستمر في الانكتاب ضدا على كل أوضاع التهميش و التبخيس، يرتحل من قارة إلى أخرى، ينتج نصوصا بعبق أدبي فلسفي عميق، و لا يمل من انتظار غبش صبح قريب، لهذا كله لم ولن يرحل الخطيبي، بل سيظل علما بارزا في المشهد الثقافي المغربي ضدا في كل تجاهل قصدي أو عفوي، لأنه كان يعمل بالقاعدة الكونفوشيوسية البهية: “أترك أثرا”، فقد خلف آثارا مهمة في صنوف معرفية شتى، لقد رحل في صمت مالح، كما الكبار دوما، رحل واقفا كما الأشجار، تاركا وراءه أعمالا مهمة تؤكد إبداعيته و أصالة منجزه الفكري، فالكبار لا يرحلون بالمرة.

مؤلفات الخطيبي الشاملة في الفن والادب: لم يكن الخطيبي مجرد عابر سبيل في دنيا الحرف و السؤال، بل كان منتجا و مؤسسا لكثير من الرؤى، كان مدمن سؤال شقي يعانق تخوم الفكر والإبداع، يرتحل من قارة إلى أخرى، و من سجل ثقافي إلى آخر، من السوسيولوجيا إلى الأدب، من التاريخ الى التشكيل، من التحليل النفسي الى الشعر والقص اللذيذ، كان كمن يريد القبض على سر الانتماء، كما يهفو إلى اكتشاف كيمياء الحياة، لهذا كان يرتحل فكريا و إبداعيا مُجَرّبا مسارات من الانكتاب وفق عناوين ذكية موحية تفوق 25 عملا، تتوزع على الذاكرة الموشومة، النقد المزدوج، الإسم العربي الجريح، صيف في ستوكهولهم، الرواية المغاربية، تفكير المغرب، فن الخط العربي و كتاب الدم…. و هي بعض من عناوين ترجم المكتوب منها بالفرنسية إلى اللغات العربية والإنجليزية والإسبانية والإيطالية والألمانية واليابانية، كما حظي هذا الأستاذ الجامعي بتقدير كبير من خلال تعاليقه على الساحة السياسية المغربية.

3989549-6046826كتب الخطيبي في مجالات مختلفة، في القصة والشعر، والنقد الأدبي والمسرح، ونشر قصصا وكتبا ودراسات كثيرة حول المجتمع والفن في العالم الإسلامي، وقد أصدر روايته الأولى “الذاكرة الموشومة” عام 1971، وقد ترجمت أعماله إلى عدة لغات.

ومن بين أهم  أعماله، التي تفوق 25 مؤلفا : الذاكرة الموشومة (1971) فن الخط العربي (1976) الرواية المغاربية (1993) تفكير المغرب (1993) صيف بستوكهولم (1990) صور الأجنبي في الأدب الفرنسي (1987) كتاب الدم (1979)

كذلك نجد من بين مؤلفاته : (فن الخط العربي) (1976)،  صور الأجنبي في الأدب الفرنسي (1987)، إهداء للسنة التي ستأتي (1986)، طبعات البريق، (1985)، عشق مزدوج اللسان (1983)، المغرب في صيغة الجمع (1983)، عن الليلة الثالثة والألف (1980)، النبي المقنع (1979)، المناضل الطبقي على الطريقة الطاوية (1976)، القيء الأبيض: الصهيونية والضمير الحزين (1974)، مغاربة من الحماية إلى سنة 1965 (1974)، وفاة الفنانين (1964)، الاسم العربي الجريح (1974).

أوسمة وجوائز عالمية للأديب المغربي: فاز عبد الكبير الخطيبي بجوائز عديدة منها، جائزة الأدب في الدورة الثانية لمهرجان “لازيو بين أوروبا والبحر الأبيض المتوسط” في إيطاليا، عن مجمل أعماله، وجائزة “الربيع الكبرى” التي تمنحها جمعية “أهل الأدب” الفرنسية

وفاة رجل عظيم وسط جنازة نكران الجميل: توفي عبد الكبير الخطيبي يوم 16 مارس من سنة 2009 في أحد مستشفيات الرباط، تاركا مساحات من الصمت و الألم الرابض فوق الصدور، رحل عبد الكبير الخطيبي عن عمر يناهز71 عاما، بعد معاناة مع المرض، تاركا وراءه مجموعة من الأعمال المائزة التي أثرت الخزانة العربية، رحل الخطيبي في صمت مالح، كما الكبار في ظل أنساق ثقافة المحو واللااعتراف، فالمغرب الثقافي، وفي مقاطع كبرى منه، لم يتعب نفسه بتشييع الرجل إلى مثواه الأخير، فقط هم الأصدقاء الأوفياء من المسؤولين وغيرهم، الذين حجوا إلى مقبرة الشهداء بالرباط، بصفاتهم الشخصية لا الرسمية، فلا الأعضاء في اتحاد كتاب المغرب و بيت الشعر بالمغرب والجمعية المغربية لعلم الاجتماع هرعوا إلى نعي الفقيد بما يليق به من تقدير واعتراف، فلم يقدموا على كتابة النعي يوم الوفاة، بل غابت كلماتهم حتى عن الجرائد ، خلافا لما يحدث مع رحيل الرياضيين و الفنانين والسياسيين؟  أفلا يستحق هذا الرجل دموعا يذرفها المسؤولون؟

khatibi portraitالخطيبي حيا في ذاكرة الدكاليين : رحل الخطيبي إلى دار البقاء، لكنه لم يرحل عن ذاكرة دكالة والدكاليين، فآثاره الإبداعية ما زالت تشع بأسئلة ومقاربات وسط ندوات فكرية وصالونات الثقافة بالجديدة، لهذا سيظل حاضرا في أعماق مدمني الحرف و السؤال، بنقده المزدوج و ذاكرته الموشومة، يعلمنا كيف يكون الانتماء و كيف تستمر الحياة ولو في عز التهميش والإقصاء، فلقد جرب الرجل ما معنى أن تكون معرفتك مرفوضة ومحاربة من طرف صناع القرار، لقد جرب كيف تتهاوى الأحلام بقرار جائر، صيغ على غير مهل في الأجندة السياسية الأمنية، ومع ذلك لم يقدم الاستقالة، ولا استكان للغة الصمت، بل استمر في الكتابة         والانهراق مع تفاصيل المعنى بحثا عن كيمياء الحياة الاجتماعية لمغرب عصي على الفهم و التأويل، عندما يموت أحدهم من آل السياسة أو الفن أو الرياضة، تمطرنا وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية بسيل من “الروبورتاجات” و”البورتريهات” التي تذكر بمناقب الراحل، لكن في اللحظة التي يرحل فيه المثقف تفتر درجات الاحتفاء، و يصير النعي مجرد خبر ثانوي تكمم به النشرة،

فنحن لا نتذكر مبدعينا العظام إلا عندما يرحلون عنا، لنخلدهم على جدران اسمنتية أو مدرجات جامعية او شوارع حضرية، لكن ما أروع المكان الذي يشمخ فيه اسم عبد الكبير الخطيبي.

45_Paris-1988

بحث في مجموعة كتابات صدرت في حق عالم الاجتماع عبد الكبير الخطيبي

الكاتب admon

admon

مواضيع متعلقة

2 تعليق على “عبد الكبير الخطيبي … من الذاكرة الموشومة إلى ذاكرة دكالة”

  1. Fatih Mostafa
    الله يرحم هذا الأديب المغربي المعروف على الصعيد الوطني والدولي وهو رحمه الله كان ذى شعبية عالية في بلادنا. هو من أبناء دكالة ازداد بمدينة الجديدة حي الصفاء وترعرع فيهاوكان ابناءالحي يعرفونه بولد بلفاسي, رحمه الله.

  2. Mourad EL Khatibi
    ممتن لكم على هذا المقال الجميل والمتزامن مع ذكرى السنة السابعة على غياب هذا الهرم الشامخ (16 مارس 2009-16 مارس 2016)
    آه كم كان يعشق هذه المدينة ..

اترك رداً