حكاية “الآزموري” مكتشف الولايات المتحدة الامريكية

img

إستيبانيكو، استيبان، استيبان إلمورو، ستيفن الأسود، ستيفن مور، وستيفن الصغيرstibanico أو سعيد بن حدو المعروف أيضا باسم مصطفى الزموري أو الأزموري ،  كلها أسماء لمسمى واحد، صاحب حكاية مبهرة تُدَرَّس الآن في جامعات الولايات المتحدة الأمريكية، و تفاصيلها تنتمي إلى ثلاث قارات على الأقل، نروي هنا حكاية ذلك الشاب الدكالي الأسود، الشاب الذي أصبح عبدا، والعبد الذي تحول مكتشفا، والمكتشف صار ثريا، والثري أصبح زعيما روحيا، قصة غريبة لمكتشف أمريكا الشمالية.

ولادة استيبانيكو الآزموري بدكالة: تعود أصول إستيبانيكو أو “سعيد بن حدو” الى منطقة دكالة وبالضبط Braun_Azemmour_UBHDالى مدينة آزمور
شمال روزيبيس أو مزغان (الجديدة حاليا)، وُلد على ضفاف نهر أم الربيع في بداية القرن السادس عشر ميلادي، قبل الاستعمار البرتغالي لأزمور بعشر سنوات،  تم القبض عليه من طرف البرتغاليين وهو شابا يافعا، ثم باعوه ضمن العبيد لقائد إسباني اسمه أندريس دولورانتس، وفي سنة 1527، التحق القائد وخادمه الصغير برحلة “بانفيلو دو نارفاييز” برفقة 400 بحار آخرين لاستكشاف فلوريدا والأراضي القريبة منه .

رحلة الموت والجوع والعواصف البحرية: انطلقت الرحلة الاستكشافية داخل فلوريدا تحت قيادة “دae54e1c7476e170c5bf03f8cab03247eي نارفاييز” ، وليس معهم سوى أربعين حصانا، لم يضعوا في حسبانهم أن هذه المغامرة قد تدوم طويلا وقد تكون هي المغامرة الأخيرة، مرت ثلاث أشهر وسط الأدغال والمستنقعات والمواجهات مع الهنود، توفي خلالها 40 فردا من أعضاء الحملة، إما بسهام قبيلة “البويبلوس” الهندية أو من جراء الأمراض أو الجوع أو الغرق، ولم يعثر الفاتحون على الذهب الذي كانوا يسعون إليه فتبخر حلمهم، ليقرر القائد العودة من حيث أتوا إلى خليج بامبا، لكن المفاجأة الكبرى أنهم لم يجدوا مراكبهم ولا رجاله الذين تركهم على الساحل.

لم يبق أمامهم خيار سوى إنقاذ أنفسهم من خلال صنع قوارب بديلة للرحيل، وعملوا طوال ستة أسابيع حتى لم يبقى لديهم سوى حصان يتيم لأنهم كانوا يقتاتون من لحوم جيادهم واستخدموا ملابسهم لتصبح أشرعة وأبحروا، وبعد يوم أو يومين تعفن الماء المخزون في قرب مصنوعة من جلود الجياد ولم يعد يمتلكون سوى قليل من الشعير، ظلت مياه اfranca_phixrلمسيسيبي تتلاعب بهم وتهددهم بالموت وهم يعانون الجوع والعطش وحرارة الشمس، لكن حظهم كان أفضل من حظ الآخرين الذين غرقت قواربهم باستثناء واحدكان يقوده “دي فاكا”.

التقى الناجون من ركاب القاربين وعددهم 80 فردا من ضمنهم قائد الحملة بانفيلو دي نارفاييز على شاطئ جزيرة أطلقوا عليها اسم (مالهادوا)، تمكن المركبان من السير على سواحل لويزيانا طيلة أربعة أيام، لكن زوبعة عنيفة فرقتهما وانتهى أمر مركب استيفانكو إلى جزيرة ” كاليفستون ” وكان ذلك في 1528، أما الباقون ذهبوا ضحية الجوع والعطش أو قتلوا على يد الهنود، أسر الهنود الآزموري ورفاقه الثلاثة لكن تمكنوا من الفرار أثناء غياب أهل القرية التي كانوا فيها، وهكذا انطلقت رحلة الاربعة من جديد من الشرق إلى الغرب.

الآزموري ابن آلهة الشمس وصاحب الكرامات: في مطلع عام 1534، قضى جميع أعضاء رحلة “نارفاييز” نحبهم باستثناء الأزموري و”كابيسا دي باكا” وإسبانييْن آخريْن، ومن أجل الحفاظ على حياتهم، اضطر الأربعة إلى إخفاء هوياتهم الحقيقية من خلال لعب أدوار مختلفة وهم يعبرون تكساس وشمال المكسtéléchargementيك طولا وعرضا، وفي 1535 توجه المغامرون الأربعة نحو المكسيك وعبروا النهر الكبير، واستخدم استيبانيكو الآزموري معرفته بالأمور العلاجية، من خلال استحضار الطقوس الثقافية الدكالية، ليلعب دور “الشافي بعطية من الرب” فعالج بعض السكان الأصليين، شاع خبر معجزات “الرجل الأسود” في إنقاذ الناس من الموت مرضا، فبدأت قوافل الهنود ترافقهم من قرية إلى أخرى وتهديهم الأكل والشراب وجلود الغزلان وأغطية القطن والأحجار الكريمة ومنحوثات نحاسية، وبقدر ما ذاع صيت الرجل أصبحت الحكايات حول قدراته الخارقة تسبقه مما أكسبه هيبة بين القبائل فأطلقوا عليهم لقب “ابن الشمس” .

الكفاءات التواصلية واللسانية لاستبانيكو: فضلا عن مواهبه الشفائية، عُرف الأزموري كخبير في اللغات الهندية، حيث كتب زميله “كابيثا” عنه قائلا: “كان الرجل الأسود يتحدث دائما إلى الهنود ويستخبر حول الطرق والقرى وكل شيء كنا نريد معرفته”، لقد تمرّس الآزموري على الكلام الهنestebanico3ود في ظرف سنتين فقط، وبفضل كفاءاته اللسانية، أنقذ حياة عدد من الأبرياء في بيئة كانت مطبوعة بالخوف والحذر والعنف، كما أن دوره كمترجم أضاف بعدا إنسانيا وسلميا لوظيفة الاستكشاف، التي كانت حتى ذلك الوقت مطبوعة بهيمنة العرق الأوربي والجشع والنفوذ.

بل إن أهم الشهود الذين عايشوه، انطلاقا من “كابيزا دي باكا” و”كورونادو” إلى “بيدرو دي كاستينيد”ا و”فراي ماركوس”، انبهروا بقدرته الخارقة على التكيف مع مختلف الظروف بفضل نزاهته الإنسانية وميله الكبير إلى الاطلاع والمعرفة، وفي هذا السياق كتب “كابيسا دي باكا” يصف الأزموري سنة 1542: “كان إستيبانيكو رجلا طويل القامة، قوي البنيان، يتمتع بذهن متقد وذكاء ثاقب”.

استبانيكو الديبلوماسي الذاهية في عصر الهنود: فضلا عن كل ما قيل فيه، عرف الأزموري كيف يستغل هويته الأجنبية لمصلحته، ويتخذ موقفا محايدا بين الغزاة الأوربيين وهنود أمريكا باعتباره مفاوضا وداعية سلام، فاختلافه في اللون والانتماء، واتقانه لغات هنود، وذكائه الثاقب مع ممارسته لطقوس روحانية، جعلت منه “دبلوماسيا حقيقيا” tumblr_n7c6liYtSk1tcs7jso1_250حسب الاصطلاح السياسي الحديث، وكلما سنحت له فرصة الكشف عن مواهبه الكبيرة، كان ينجح في إبهار رؤسائه، الذين يخبرنا واحد منهم، “كابيسا دي باكا”، بأنه لم يكن أمامهم من خيار آخر إلا أن يعينوه “ناطقا باسمهم” ودليلهم في تنقلاتهم، وبفضل ذلك استطاع أن ينجو، ليس فقط من مخاطر تلك الرحلة الإسبانية، بل نجح في أن يحول وضعه الضعيف كعبد إلى وضع قوي كوسيط ومترجم ورجل سلام بين الغزاة الأوربيين وهنود أمريكا، وعندما أدرك سادته قيمة الأعمال التي قام بها وما أسداه من خدمات إلى إسبانيا حققوا له مبتغاه الغالي، فمنحوه حريته سنة 1536.

 رحلة البحث عن مدن الذهب السبع أو مدينة سيبولا : التحق استبانيكو بالحامية العسكرية الأسبانية المتواجدة في مرسيسان ميغل دي كوليكان في عام 1536، وحين عاد مع رفاقه الاربعة الناجين من أول حملة استكشافية لفلوريدا، رددوا على مسامع ممثلي الملك الإسباني أن هناك مدن ذهبية أهمها مدينة “سيبولا الأسطورية”، بل أن استبانيكو أكد رؤيتها بعينه زاعما بوجودها الفعلي، مما أدى بنائب الملك الإسباني في المنطقة إلى تعيينه ضمن حملة أخرى ستنطلق في عام 1539 تحت قيادة المبشر الراهب الفرنسيسكاني “فراي ماركوس” لاكتشاف مدن الذهب سيكون مرشدها هو استيبانيكو، انطلقت الحملة في شهر فبراير وانقسم أفرادها كالسابestebanico4ق إلى قسمين إلا أن هذه المرة تقدم فريق يقوده استيفانكو وبقي القسم الثاني يقتفي أثر القسم الأول وكان يتزعمه الراهب، وكان استيبانيكو يرسل إلى رئيسه باكتشافاته عن طريق رسل يحملون صليبا يدل حجمه على اقترابه من مدن الذهب الأسطورية، ونظرا لشهرة استيبانيكو “ابن الشمس” التي اكتسبها في رحلته الأولى، فقد رافقه المئات من الهنود ليرشدوه إلى أكبر وأشهر مدن الذهب السبع الأسطورية وهي مدينة سيبولا .

ثلاث سنوات بعد ذلك، وبينما كان نائب ملك مكسيكو يبحث عن رجل قوي ونزيه وخبير بحياة وعادات الهنود ليقود رحلة استكشافية في المكسيك الجديدة والأريزونا في وقت شاعت فيه أخبار بوجود ثروات كبيرة من الذهب فيها، لم يكن من شخص قادر على القيام بهذه المهمة إلا الآزموري، لأنه الرجل المثالي لها، ولأنه لم يكن ليتردد في السير إلى حيث لا يقدر رفاقه الإسبان أن يسيروا، وفي ذلك كتب “ببيدرو دي كاستنيدا” أن الآزموري “كان يرى أنه يمكنه أن يكسب كل الشهرة والشرف من خلال اكتشافه لتلك المناطق”.

استبانيكو الدكالي مكتشف الولايات المتحدة الامريكية: كان الآزموري أول رجل، من خارج قبائل الهنود، تطأ رجله المكسيك الجديدة وأريزونا بعد عبوره صحراء سونورا القاحلة، كما أن السنوات الإثنتي عشرة التي قimage-article-1513ضاها متنقلا بين الكارايبي، تكساس، المكسيك، أريزونا والمكسيك الجديدة كافية لتجعل منه أحد أكبر مستكشفي الولايات المتحدة الأمريكية الحالية، عن طريق البحث عن ما عُرف بـ”مدن الذهب السبع” في “سيبولا” التي لم تكن سوى وحي من الأسطورة، إلا أن الآزموري فضل المكوث إلى جانب هنود “زوني” المجاورين، متمتعا بأرقى وضع شرفي، وهو الوضع الذي احتفظ به حتى وفاته الغريبة في قرية “هاويكوه” القديمة، التي تقع اليوم بالمكسيك الجديدة.

وفاة الرحالة استيفانيكو الآزموري الغامضة: تقول وثيقة تاريخية تعود إلى عام 1540، بعد أن انفصل “استيبانيكو” عن الراهب، وحل في مدينة سيبولا هو ومرافقوه الهنود، محملا بكمية من أحجار الفيروز الكريمة التي أهداها له البويبلوس، ومرفوقا بعدد هائل من النساء الجميلات التي وهبها إtéléchargement (1)ياه الهنود المرافقون له، بعدما كانوا يلتحقون بركبه كلما مر على قبيلة، معتقدين أنه سيحميهم من كل الأخطار، فرض سكان “شيبولا” على الزنجي الآزموري الإقامة الجبرية في كهف خارج المدينة، واستنطقه حكماؤهم وشيوخهم لمدة ثلاثة أيام لمعرفة أسباب وفوده عليهم قبل أن يجتمعوا لتقرير مصيره، وظنوه جاسوسا لقبيلة تريد غزو أراضيهم ولم يتقبلوا أن يكون رسول البيض ذو بشرة سوداء، إضافة إلى كل هذا غاظهم طلباته المتكررة بالحصول على الفيروز والنساء فقرروا قتله، وأمر زعيم قبيلة سيبولا بقطع أطراف استيفانيكو وأرسل قطعة منها إلى زعماء القبائل حتى يتأكدوا من أن “الأسود” مجرد إنسان وليس ابنا للشمس.

الكاتب admon

admon

مواضيع متعلقة

اترك رداً