عزائي لكِ في أبنائكِ … يا جَديدَتي التي أُحِبّ !

img
مجرد رأي 0 admon

mazagan pleure

إن العين لتدمع … والقلب ليدمي … والعقل لحائر حينما أسمع أو أقرأ أخبارا تهزُّ مشاعري كمواطن يعشق مدينته حدَّ النخاع، ويحب لأبنائها الخير وكل الخير، هذا يتابع ذاك بتهمة التهديد بالقتل، وثان يرفع دعوى قضائية ضد آخر بتهمة التشهير، وثالث يكتب مقالا لتكسير رفيق له في المهنة، ورابع يزرع الشوك في طريق صديق ناجح، وخامس يدبر مقالب ليسخر من جديدي مثله …، هذه قصص لا تنتهي تعيش عليها ساكنة مدينة الجديدة في الأيام الاخيرة.

تُكوِّن هذه “الفضائح” إشكالية غريبة شيئا ما بعاصمة دكالة،  لأنها دخيلة وليست أصيلة بالمنطقة، كما أنها وليدة اليوم وليست من الأمس البعيد، لكن يجب أن نتساءل ونصارح بعضنا البعض: لماذا يكره هذا “الجديدي الجديد” قريبه ويحب الخير للغريب؟ هل هذه خاصية الإنسان الجديدي فقط أم هي ظاهرة كل إنسان مغربي؟ وعلى أي شيء يكره أبناء الجديدة بعضهم البعض؟ وهل يحب الجديديون فعلا الخير لمدينتهم؟ وما سرُّ هذه اللعنة الغريبة التي أصابت أبناء هذه الأرض السعيدة؟…هذه مجموعة من الأسئلة تؤسِّس فضاء خصبا للبحث عن أجوبة شافية  قد تقنعنا … وقد لا تقنعنا.

تعتبر مدينة الجديدة وكباقي المدن المغربية مثالا في تضامن وتكافل أبنائها، وفي ارتباط وحب رجالاتها لمائها ولترابها، أما الآن فقد أصبحت مادة دسمة للجرائد الورقية والالكترونية، في الجرائم وفي التشهير والقذف والاتهام والاتهام المضاد، لا لشيء سوى أن الأمر يتعلق بالظفر بمنفعة شخصية على حساب المنفعة العامة، فقد غابت عنهم الخصال الحميدة وأصبحت الخطايا القبيحة كالحسد، الطمع، الأنانية والارتزاق هي السمات البارزة في نفوسهم، هذا في الوقت الذي  يجب أن تتظافر فيه الجهود بين أبناء البلد الواحد، لا أن يتحالفوا مع الغريب ضد القريب.

حين تفتح حسابك في الفضاء الأزرق أو الأخضر تتدفق عليك فضائح الدِّين والدُّنْيا من الجديدة ونواحيها، من قتل، سرقة، نصب، اغتصاب، فساد أخلاقي وغير ذلك من الأفعال التي لا تُشَرِّف، وكأنَّ الخير والجمال لم يعد يولد من هذه المدينة، في حين نجد أبناء مدن أخرى يتسابقون في الرقي والتحضر، ويقدمون لك أحلى ما تتجمل به مدينتهم، ويسعون في جعل حاضرتهم أم الحواضر المغربية، أما أقلام و”كاميرات” الجديديين فتتفاخر وتتسابق فقط في نشر أوساخهم وخصوماتهم وجرائمهم أمام الملأ، غير مكترثين بسخرية ولا استصغار الآخرين لهم.

إن ما يفعله مثل هؤلاء في حق مدينتهم أو في حق أبناء بلدتهم، لا يمكن قطعا أن ننسبهم لمدينتنا التي نحب، فهؤلاء “الجديديين الجُدُدْ” ليسوا سوى نازحين من مدن أو أرياف مجاورة، أو هم الجيل الأول لمهاجري المناطق الخلفية نحو الجديدة، فهم حديثو العهد بحياة الحواضر، لا يملكون “رأسمالا رمزيا” يخشون على خسارته، أو “تاريخا مدنيا” يُدجِّن سلوكاتهم القروية، لهذا فهم لا يدركون قيمة “جوهرة المحيط” هاته، الضَّارِبة في عُمْق تاريخ المغرب، فهي “روزبيس” في عهد الرومان، “البريجة” في عهد بني وطاس، “مزغان” في عهد البرتغال، “دوفيل” في عهد المارشال ليوطي، “المَهْدومة” في عهد السلطان محمد بن عبد الله، و”الجديدة” في عهد السلطان مولاي عبد الرحمن.

تضم دكالة مدنا شتى، ومنذ عهود سحيقة، منها ما بقي ومنها ما اندثر، فمدينة آزمور تعد من أقدم مدن المغرب، “من قرية فاس الى مدينة آزمور” كما يحكي لنا المؤرخ محمد الناصري في كتابه الاستقصا، لكن منذ ذاك الزمن تراجعت مدينة آزمور الى مصاف القرى بينما تحولت القرى المغربية إلى حواضر كبرى، أما الجديدة ذات الأسماء “الستة”، فهي مدينة مُشَوِّقة بتاريخها وجميلة بجغرافيتها، لكن لم تنل في هذا العهد الحق الذي تستحق، والدليل هو حذف اسم دكالة من الجهة التي تنتمي إليها، كما أن الجديديين يشعرون بوجود “غضبة مولوية” على منتخبيهم، خاصة بعد غياب الملك عن تدشين البناية الجديدة للمعرض الدولي للفرس، ربما ذلك راجع للمشاريع الفاشلة التي قدمها منتخبو المنطقة للعاهل الملكي في آخر زيارة له للمدينة كشارع النصر، المستشفى الاقليمي ومدينة حي المطار، الى جانب ذلك تعاني الجديدة من الصدود والجحود الذي تلقاه من أبنائها الحقيقيين، والذين يشغلون الآن مناصب سامية ومؤثرة في المملكة المغربية.

أسرّ لي أحد شيوخ دكالة، طاعِنٌ في السن، لكن ذاكرته موشومة بأحداث منسية، أن ما تعيشه الجديدة هي من تبعات لعنات بعض أوليائها ومجاديبها، فهي أرض بمئة ولي وولي صالح، لكن اللعنة التي ضربت هذه المنطقة جاءت من سيدي عبد الرحمن المجدوب على المدينة حين قال “باتْ حْدا دُومَة ولا تباتْ في المَهْدومة” أما الشيخ العلّامة أبي شعيب الدكالي فقد شبه في بعض جلساته أبناء المدينة ب” شماتة دكالة “،  وبغض النظر عن مدى صحة هذه الأخبار فالواقع أن هناك العديد من الأولياء والشرفاء تضرَّروا من سكان المنطقة فسخطوا على المدينة ومن فيها، وإن كانوا لا يقصدوا دُكّالة أو الدُكّاليين فإن لعنة الشتات أصابت فقط أبناء “المَهْدومة”، لذا فحينما يهاجر الجديدي مدينته لا يفكر في العودة إليها ثانية … .

تعيش الجديدة الآن فوضى خلّاقة، سببها بروز خَلْقٍ جديد من البشر لم تعهده المدينة من قبل في حياتها، نجد منهم السماسرة، المرتزقة، المُدَوِّنون، المراسلون ذوي الجمعيات، وذوي الصحف… لقد تكاثر هؤلاء كالفِطْر حتى أصبحوا أكثر بكثير من المستثمرين والمفكرين والفنانين والعلماء والأدباء، إنهم جنس ثالث،  ليسوا بأميين ولا بمثقفين، لكن لظروف خاصة احتلوا مواقع ومناصب جعلتهم في واجهة المدينة، يتزاحمون عند الندوات والحفلات والمؤتمرات المحلية وحتى الدولية، لا لشيء سوى أن الأمر له علاقة بمسؤول إقليمي يحب البَهْرجة وسهرات ألف ليلة وليلة.

بين ثنايا هذا الوضع المؤلم وغير المألوف، وفي غياب أبناء غيورين على “أنظف وأجمل مدينة في السبعينيات”، تولدت قرارات حاسمة، تحوَّل على إثرها مستقبل المدينة المعماري رأسا على عقب، فكان ذلك سببا في تشوه معالمها ونسيجها الحضاري، والنتيجة هي أن الجديدة تفتقد لكثير من المرافق الحيوية، كمقبرة يستر فيها السكان موتاهم، ومحطة طرقية بمعايير حضرية، ومرافق ترفيهية تجدب السياح عوض “النَّافورات” والتماثيل، كما تعد الجديدة المدينة الساحلية الوحيدة التي تدير ظهرها للبحر، حيث تستوطن الإدارات والشركات أحسن الأماكن على الواجهة البحرية، بينما تتواجد الفنادق والمطاعم بالمناطق الخلفية بين الأزقة والشوارع، في حين نجد المدن المغربية الأخرى قد حوّلت شواطئها الى “كورنيشات” عالمية، كمدن طنجة، الصويرة، أكادير، مارتيل، الناظور، الحسيمة، السعيدية …

عُذْرًا لكِ يا جديدتي التي أًحِبّ إذا قلتُ ما لا يُقال…. فإن في القلب غُصّة، صَبْرًا جمًّا يا حبيبتي إذا لم أُشْفِ غِلًّكِ بكتابتي … فهذا ليس إلا فًيْضٌ من غَيْضٍ، تُؤلمني جدا أخلاق بني جلدتي حينما تَخَلَّوْا عن التمدن في سلوكهم، واجتمعوا على الكره بدل الحب في معاملاتهم، أين التكافل والتضامن الدفين فيكم يا أبناء الجديدة ومزغان والبريجة وروزيبيس …، يا أبناء دَرْب الصّْفا، ودَرْب غَلَّفْ، البَرْكاوي، للّازَهْرة، القَلْعة، المَلّاحْ، سيدي الضَّاوي، السَّعادة، وكل الأحياء الحديثة العهد، أين أنتم يا ذوي المناصب السامية والشهادات العليا، لماذا تخلّفتم عن مدينتكم وتركتم مصيرها بيد الجهلة والمرتزقة، فحذار ثم حذار…تآلفوا وتوحدوا والتحقوا بركب التسيير والمسؤولية… فذلك خير لكم ولجديدتكم.

بقلم حسن فاتح

 

الكاتب admon

admon

مواضيع متعلقة

اترك رداً