اللهم لا تؤاخذنا بما فعل “الجهلاء” منا بمدينة الجديدة … !

img
مجرد رأي 14 admon

بقلم حسن فاتح

صُنّفت الجديدة منذ عصور من أقدم الحواضر وأجملها بالمغرب، بل كانت من أولى المدن التي سُطرت فيها معالم التعمير والتمدّن على يد المستعمر البرتغالي منذ أزيد من 500 سنة،  وليس كما يفترض البعض بأن نواة المدينة اَسست مع الفرنسيين، لكن تم تطويرها  فقط في بداية القرن العشرين، خاصة بعد انجداب المشير ليوطي بموقعها الطبيعي الخلاب، فأنشأ فيها أجمل الشوارع والحدائق، والسكن ذو النمط المعماري الفرنسي الذي ما زال صامدا لحد الان.

يُمكن تقسيم الجديدة من خلال نسيجها المعماري الى خمسة اقسام، هناك المدينة البرتغالية التي توازي حدودها اسوار الحي البرتغالي، المدينة الاسلامية التي تمتاز بضيق وعدم  انتظام ازقتها واروقتها، المدينة الفرنسية الجميلة ببناياتها العالية ومعمارها المزركش، ثم هناك المدينة الحديثة المشيدة ما بعد الاستقلال،  المتناقضة المعالم والبعيدة عن فن التعمير والتنطيق الحضري، واخيرا نجد المدينة العشوائية، المولود الحضري المشوه، الذي يضم دواوير قروية ومساكن متسترة، مع وجود حضائر واصطبلات لتربية الماشية والدواب.

انني أحس بالحزن والغبن في كل مرة يطلق فيها رواد “العالم الازرق” صورا ناذرة تبرز معالم الزمن الجميل لمدينة الجديدة، تؤرخ لحُسن مدينة راح وأصبح في خبر كان، وكأننا أمام قصة امراة عجوز تحكي بتحسر أمام مرآتها عن جمال ضاع اغتصابا على يد المغول والتثر، لا يعرفون الحضارة ولا العمران ولا التمدن.

حدثني والدي عن إحدى ذكرياته مع أستاذه الفرنسي في الخمسينيات، حينما قررت فرنسا متحسرة مغادرة المغرب،  قائلا له “لماذا تطالبون بالاستقلال .. نحن نمدكم بكل ما تحتاجون اليه من تعليم وتطبيب وتحضر… انظروا الى قراكم فقد اصبحت مدنا في عهدنا …، سوف تندمون جيدا على رحيلنا، وسيسلط الله عليكم استعمارا من بينكم … اقبح منا واشد فقرا وجهلا ”

لم يتجلى لي معنى هذا الكلام حتى مرت سنين وأعوام، واصبحنا نشاهد مدننا تتحول الى قرى، بسبب تنطيق أحمق ليس له منطق، وتصميم أبله لا اساس له من الصواب، حدائق صارت مزابل، شاطئ عاد مرتعا للفساد، خيرات تنهب ولا تصان، مشاريع ناقصة وغير مكتملة، عمارات مشققة وآيلة للسقوط، أحياء سكنية أو هي مناطق صناعية، شوارع صارت اسواق تجارية، وأزقة اكتسحت بالمطاعم العشوائية …

سوف أسافر قليلا عبر الزمن في شرائح ذاكرتي وفي ذاكرة من يكبرني سنا، لأعيد معكم شريطا لذكريات جميلة من الجديدة أو مزغان أو دوفيل أو البريجة او روزيبيس … فتلكم الأسماء الستة لمدينة عريقة، سموها أنتم ما شئتم، لكن لا تبخسوا ماضيها الذي اغتصبه ابناء القريب قبل الغريب، فهي تعيش الآن أحلك أيامها على يد مسؤولين جهلة وفاسدين.

من منكم يا ابناء الجديدة يتذكر ساحة وسط المدينة بين البريد والمسرح  والمقاهي ذات النمط الفرنسي الراقي؛ وشاطئ دوفيل المجهز بجميع مستلزمات الاصطياف من مستودعات وكراسي وشمسيات وملاعب ودكاكين .. .

من منكم يتحسر على مقهى “الكازينو” العائمة وسط الامواج، وكأنك راكب على ظهر “التيطانيك”؛ وفندق مرحبا الفريد بمعماره الذي استقبل إبان “حياته” شخصيات سياسية وفنية بارزة على المستوى الوطني والعالمي.

ومن منكم لا يتألم على ضياع تلك الفضاءات الرياضية المتعددة في كرة الماء، الكرة الطائرة، المسايفة، وملاعب الكرة الحديدية وسط الحدائق، وحلبة سباق السيارت بجانب الشاطئ.

ومن منكم يُحنّ لزمن السينما مع “مرحبا”، “باريس”، “الريف” و”الملكي”، وبرامجها “سيني كلوب” المخصصة لأبناء المدارس، وندوات ما بعد نهاية كل فيلم من تنشيط مثقفي المدينة.

من منا يتذكر جماهير كرة القدم بلباسهم الانيق واسلوبهم المتحضر في متابعة فريقهم سواء انتصر او انهزم؛ ومن منكم كذلك يحتفظ بذكريات اللوحات الاستعراضية الجميلة  لفريق فتيات “الماجوريت” بساحة المدينة.

ومن منكم يتفكر أيضا حديقتي “سبيني” و”ليوطي” المزهوتين بأجمل الزهور والاشجار، وصهاريج تتوسطها نافورات مع أسراب من الطيور والبط، ناهيك عن أقفاص الحيوانات كالقردة والغوريلا والنعامات …

يؤلمني كثيرا جمال مدينتي يضيع كالسراب، ينكسر ثم يُمحى بفعل قرارات مسؤول جائر أو حاكم جاهل، فكأنما ابتلانا الله بالسنون على افعالنا وسلوكاتنا وقلة إيماننا بمدينتنا، قالوا “وما السنون يا رسول الله .. فقال جور الحكام …”.

أتحسر حينما تتحول المساجد الى عمارات ومساكن، أو حينما تحول الحدائق الى مساكن للمسؤولين، او حينما يحدف مشروع المحطة الطرقية من المدينة، أو حينما يتحول مشروع ملكي من شارع للنصر الى زقاق للعار، او حينما يصبح الملك العمومي مصدرا لأموالهم دون حسيب او رقيب، او حينما تشحّ القبور ويدفن الجديديون فوق هياكل اجدادهم،  او حينما يهجم “مغول دكالة” على المآثر الفرنسية ويحولوها الى اسمنت صامت، او حينما يسرق “تثر المغرب” حلم كل جديدي في مشروع مدينة جميلة.

من المسؤول إذن عن هذا التراجع و التدهور في مدينتنا؟ ومن الذي يخطط ويقرر في مستقبل المدينة الحضري والعمراني؟ هل كل من هو منتخب او رجل سلطة له الحق في تحديد مستقبل المدينة الحضري؟ وما حجم مسؤولية المواطن الجديدي في تراجع مستوى التمدن في الجديدة؟

ان ما وصلت اليه المدينة من تدهور وتراجع في هندستها المعمارية وشكلها العمراني، لراجع بالأساس الى أصوات الجديديين اللذين منحوها للأميين والجهلة، أو لسكوتكم الرهيب عن طغيان فاسد عمّر كثيرا بينهم، او لتولية أمورهم لجاهل عفيف ذو ذمة بيضاء ولحية سوداء؟

ان بجهل الجديديين المضحك هذا أصبح يتولى جاهل منهم او مسلط عليهم أمور مدينتهم، والجاهل إذا تولى منصبا فهو حتما ما فاسد وفاسق،  وسيكون أخطر من المجرم والقاتل، فلا يكفي ايها الجديدي الساذج، حسن سيرة الشخص ونواياه، أو اقامته بينكم في الصلاة، او ترؤسه للحفلات والندوات أو … أو ….

ماذا سيعطي للمدينة هذا المسؤول الجاهل ذو الطلعة البهية؟ من يبني لكم إذن ومن يشيد؟ من يجمل مدينتكم؟ ومن يدافع عنها ضد التخلف؟ من ينتشل مدينتكم من التراجع؟ ومن يلحقكم بالمدن المتقدمة؟

فحتما ما، يا عزيزي، ليس على يد جاهل ولا فاسد ولا فاسق.

لقد اصبحنا نُسير الآن بثلة من “الرُّوَيْبِضَات”،  قِيلَ : يَا رَسُولَ اللهِ : وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟  قَالَ: “المَرْؤُ التَّافِهُ الذي يَتَكَلَّمُ فِي أَمْورِ العَامَّةِ”، ان الجاهل الذي يحكمكم الآن أيها الجديديين يخيل له بانه من رؤوس العلماء، وهو عند الله وعندي من أجهل الجهلاء وأعظم المستبدين، وإن لمن أقبح انواع الاستبداد هو استبداد الجاهل.

ترحموا ايها الدكاليين على مدينتكم .. وصلوا عليها صلاة الجنازة، فكيف يمكن للحياة أن تدب فيها من جديد والسياسة فيها قد ضاعت … والسياسيون فيها قد ماتوا؟

فكيف يمكن إذن للنائب من مدينتكم أن يكون نائبا، أوالرئيس ان يكون رئيسا، أوالعامل ان يكون عاملا، ورجالكم فيها قد تخلفوا الى الوراء امام النساء، وولّوا على رؤوسهم جهلاء، وصبروا على من يسيرهم فاسد وفاسق …

فكيف إذن …وما زلتم لا تفهمون قول الله تعالى “هل يستوي اللذين يعلمون والذين لا يعلمون” ؟

تبّا لكل من لا يريد الخير لبلدته ولمدينته، فالله لا يغير ما بمدينتهم حتى يغيرون ما بأنفسهم.

 

 

الكاتب admon

admon

مواضيع متعلقة

14 تعليق على “اللهم لا تؤاخذنا بما فعل “الجهلاء” منا بمدينة الجديدة … !”

  1. Majjouj Hamid
    كلنا حصرة على ما ضاع و خوفنا يتعاضم في غياب أي أمل في التغيير. الجديديون قتلهم جشع المسؤولين و جهل الجهلة المتغطرسين. العقلاء منهم في الحانات و المقاهي يتجرعون مرارة واقع أسود خيم على مدينتهم و ما تبقى تقتلهم اللامبالات بعد أن فقدو الأمل. الجديدة تتحول إلى سجن فولادي وغابة من القدارات و التخلف و تديق على ساكنتها يوم بعد يوم.

  2. حسبنا الوكيل فيهم اللهم انتقم منهم يتلاعبون بمصلحة المدينة ويقتصمون كعكةالمشاريع بينهم متناسين مهمتهم التي هي امانة في عنقهم اللهم اجعل كيدهم في نحرهم

  3. تعاقب أخطر اللوبيات على المدينة وسهولة اﻹنقضاض عليها وغياب المسؤولين الصارمين جعلها تظهر أكثر بداوة و همجية وكل من ينهب ثرواتها ﻻ يتم عقابه و ﻻ مصادرة الثروة التي جمعها طيلة الفترة التي قضاها لخدمة المواطنين

  4. تبارك الله عليك أستاذ فاتح ونعم التحليل كلامك علي صواب الجديدة الجميلة أصبحت مدينة وسخة مهملة وليس فيها لا مسؤولين ولا حتي ابناء المدينة اللذين انعدمت فيهم الغيرة علي هذه المدينة ياحسرتاه علي عاصمة دكالة وعلي المدينة التي قال فيها المريشال ليوطي كلمة لن تنسي.

  5. El akrami Khaled
    مقال رائع في وقت الاسترزاق الصحفي وانهيار القيم فللاسف الكل يلهث وراء المادة وما نخر جمال هذه المدينة سوى فئتين :صحافة المرقة وسماسرة الزرقة…تحياتي أيها الغيور

  6. أبو ذر الغفاري

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،نعم صدقت يا أخي محمد،مدينة تكابلت عليها أيادي تبحث عن المصالح الخاصة ولا يهمها ما ستعرفه هذه المدينة وأبناءها من فساد وذمار وضمار للضمائر ،مدينة أصبحت شوارعها مغيبةومملوءة بكراسي المقاهي والباعة المتجولين حيث أصبحت لا تجد أن تسير على رجليك ولا بسيارتك ،مدينة تكدست في شوارعها وأزقتها الأزبال وغابت عن أغلبها الإضاءة والإنارة فأصبحت كأنك تعيش في قرية من القرى المغربية طرق وأرصفة جلها ـ إن لم نقل كلها ـ عبارة عن حفر ومجمع للأزبال المتراكمة ،أين هي الحدائق التي تسطر في برنامج التجزئات وإذا بها تُغَيَّبُ ،فلولا تلك الحديقتين خلفهما الاستعمار لأصبحنا مدينة ملأى بالعمارات والبنايات ،وكما قال الأخ كم من دور للترفيه (سينما مرحبا الريف ديفور )أصبحت عبارة عن مباني ولم يفكر المسؤولون في المدينة في خلق دور أخرى ،فإلى متى ستستمر المدينة في هذا الاستنزاف ؟؟؟؟

  7. تحياتي لكم يا استاذ وشكرا على المقالات الرائعة التي تتحفنا بها و التي تنم عن غيرة كبيرة على مدينة الجديدة التي تدهور حالها و اصبحت و لكامل الأسف قرية كبيرة

  8. Med Boushab
    إنهم جحافل الدود الذي ينخر الخشب يتواجدون في دواليب كل إدارة و جمعية و مؤسسة لا يعرفون للجمال معنى و لا للتاريخ مقصد،جاهليون، أميون،حقيرون،أعاثوا في الجديدة فسادا و حاصروا أهلها و جلدوا شبابها و أهانوا معالمها،كل همهم مراكمة الثروات و بإحصائية بسيطة لا تحتاج لعقل رياضي حتى بالملموس كم من مسؤول دخلها و أهله معدمين و غادروها فاحشي الثراء،ماذا ننتظر من خنزير فاقد لشيء أن يعطينا إياه،لكن ما يحز في النفس أننا نتباكى على حال هذه المدينة ولا ردة فعل(تظاهر و فضح الشفارة)حتى سيدنا صاحب الجلالة لم يسلم من وقاحتهم عندما دشن (كورنيش)النصر كمشروع ملكي ولكن الضباع حولته إلى زقاق بشع يفتقد إلى أدنى معايير السلامة.أليس هذا منتهى العبث و الضحك على الذقون؟أهذه هي الوطنية التي يتشدق بها هؤلاء السفهاء لقضاء مآربهم الخسيسة؟نعم المغرب يتحرك وأتحسر أن مدنا كانت إلى الأمس القريب لا تضاهي الجديدة سبقتنا بسنوات ضوئية و نحن تقهقرنا إلى الوراء.أليست الجديدة جزءا من هذا الوطن؟أم ماذا؟

  9. Elhorri Mohamed
    اقسم بالله انني اتالم كلما مررت من ازقة من زقاق هذه المدينة ، و التي اصبح حالها يبكي العدو قبل الصديق، و اصبحنا نتهرب من اسئلة الضيوف من مدن اخرى يريدون الاستفسار عن الحالة المزرية التي تعيشها النية التحتية لمدينة الجديدة، الشئ الذي جعلنا نفضل المشي على الاقدام حتى لا نكسر سياراتنا، و اصبحنا نصطحب اولادنا للمدارس حتى لا تنهشها الكلاب الضالة، و لا ننسى ان نحمل معنا المصابيح اليدوية لاستعمالها اثناء الليل و الحديث

اترك رداً