لباس الحايك التقليدي .. سحر وفتنة عند الدكاليين والدكاليات !

img

يقتصر لباس أهل دكالة كثيرا في القدم وقليلا في أيامن هذه على «الحايك» الصوفي، يلبسونه لوحده دون ثياب، وقد يجعلونه أحياناً من فوق قميص، لكنهم قليلاً ما يفعلون، والحايك الصوفي تقوم على حياكته النساء الدكاليات، وكذلك تُصنع منه الكثرة الكثيرة في أزمور وفي الجديدة، والسفن التي تتردد على مرسى الجديدة قد دأبت على التزود من هذه الألبسة في طرود وحزمات مخططة بالرمادي والأسود وتتوجه بها إلى السنغال وإلى مصر، وقد سبق للحسن الوزان أن ذكر في حديثه عن مدينة من مدن دكالة ، أن “سكان هذه المدينة جهال يرتدون بعض الملابس الصوفية المصنوعة في عين المكان “.

معنى لباس الحايك :

ولنعرض ههنا لبعض خصائص الحايك، وهو لباس واسع الانتشار في منطقة شمال إفريقيا، ومن المفيد أن نتناوله بالدراسة، لأن بساطته تحمل على الاعتقاد أنه يعود بأصوله إلى العصور القديمة الغابرة، ولأنه قد ظل إلى وقتنا الحالي اللباس الأكثر أناقة عند المسلمين في بلدان المغرب.

والحايك، حسبما نستفيد من حديث الحسن الوزان، عبارة عن قطعة من الكتان في غاية البساطة، وهي قطعة مستطيلة وطويلة، لم يدخل فيها خيط ولا إبرة، يُلف بها الجسم ولا تشد من حوله برباط أو حزام. وليس من الخطأ أن يذهب المرء إلى الاعتقاد بأن مثل هذا اللباس قد سبق وجوداً على اللباس المخيط. وعلى كل حال فإن لف الجسم في قطعة ثوب مستيطلة شيء يعود إلى العصور الغابرة.

فبعض التماثيل التي تعود إلى أقدم العصور في بلاد المشرق تصور لنا البدو وهم يلبسون معطفاً مربعاً يلفون به أجسامهم ويبزر طرفه الأخير من تحت الذراع اليمنى ويتدلى من فوق الكتف اليسرى، أما في الوقت الحالي فإن الحايك قد أصبح لباساً لسكان هم بطبيعة الحال من الممعنين في البداوة أو من هم في غاية الفقر، ولذلك فالاسم الشائع الذي يعرف به الحايك في المغرب، كما في سائر بلاد البربر، هو «الكسا»، وهي كلمة تدل على اللباس بامتياز.

أصول لباس الحايك :

تدل كلمة «الحايك» عامة على الثوب، ويؤخذ خاصة بالمعنى يهمنا في هذا الصدد. وأن تكون الكلمة الدالة على هذا اللباس الخاص في الحالتين، لفظاً عاماً يؤخذ بمفهوم خاص أمر يدل في رأينا بوضوح على أن الحايك لباس كان يستعمل في القديم بمفرده، والحقيقة أن خلطاً كبيراً لا يزال يسود مصطلحية أسماء الألبسة من قبيل الحايك، والمقالات العلمية التي أفردها له دوزي لم تكد تسهم بشيء في تجلية هذا الأمر.

وينبغي التمييز في أنواع الحايك بين :

  • – الحايك الرجالي، وهو لباس من الصوف يرتديه الرجال لوحده، أو يكون عندهم هو اللباس الأساسي، وهو يُعرف باسم «الكسا» أكثر مما يعرف باسم «الحايك».
  • – الحايك الفوقي الذي يتخذ من الحرير، ويجعله الحضريون من فوق كل الملابس الأخرى، فهو يكون عندهم علامة على التأنق، وأكثر ما يعرف كذلك باسم «الكسا»،
  • – «الإزار»، وهو قطعة من القماش تكون كذلك مستطيلة من غير خياطة، ويتخذ في العادة من الكتان أو من القطن، ويعتبر اللباس الذي تجتمع عليه سائر نساء القبائل في شمال إفريقيا، وهو يعرف كذلك باسم «الملحفة» و»تاملحفت»، خاصة عند كثير من القبائل الأمازيغية في الجزائر. غير أن كلمة «الملحفة» قد كانت تستعمل، بل إنها لا تزال تستعمل إلى اليوم، في بعض المناطق يراد بها الحايك الذي تخرج به النساء. والذي يبدو أن الإزار قد كان عند العرب القدامى أولاً لباساً للرجال. ثم أن هذا الاسم، كمثل سائر الأسماء الدالة على الألبسة غير المحيطة، يستعمل في معظم الأحيان لا يزيد عن الدلالة على «القطعة من القماش».

4 – الحايك الذي ترتديه النساء، خاصة منهن المدينيات، لأجل الخروج، فيجعلنه فوق ملابسهن، وسنعود إليه بالحديث في ما يقبل من هذا الكتاب. وهذا اللباس نفسه يغلب في تسميته «الإزار»، وهو يتخذ من الصوف أو من الحرير أو من القطن. ومما يزيد هذا الأمر غموضاً أن هذه الكلمات قد وقع فيها الخلط جميعاً، بحيث يكاد يكون من المتعذر معرفة المترادفات بينها، وهي التي تتغاير حسب الأزمنة والأمكنة، بل وتتغاير حسب المؤلفين. ويتجه اهتمامنا ههنا إلى الحايك الرجالي، أو «الكسا»، الذي يتخذ لباساً وحيداً، كشأنه عند دكالة على سبيل التمثيل، أو يُجعل لباساً فوقياً، كشأنه عند سكان المدن.

لباس الحايك على الطريقة المغربية :

تظهر  التمثيلات القديمة من قبل أن بعض الأقوام التي عاشت في منطقة المشرق، والتي يمكن أن نحملها على العرب، يلبسون تارة وزرة ولا يزيدون إليها شيئاً، وقد يجعلون من فوق هذه الوزرة رداء يمررونه من تحت الذراع اليمنى التي يتركونها بالتالي شبه عارية، ثم يلقونه على الكتف اليسرى.

وأما في عصر محمد وحتى من قبله، فقد طرأ تغيير على هذا اللباس، فأصبح يُقتصر على معطف واحد يسمى تارة إزاراً وتارة أخرى «رداء»، وهذا  اسم شديد التعميم يُدل به على مطلق اللباس. ويفيدنا “بارتن” أن بعض القبائل من ساكنة المنطقة الغربية من البحر الأحمر قد استمرت على ارتداء اللباس البدائي، فيكون الجمع بين الوزرة والمعطف في قطعة واحدة يشكل تطوراً في هذا الباب، وربما لم يتسن للناس أن يحيكوا قطعاً من الثوب تكون طويلة كفاية.

وعلى كل حال فإن الإزار المتكون من قطعة واحدة قد كان أكثر إراحة من الوزرة الصغيرة ومن المعطف الصغير المعروضين في قاعات العرش من قصر بيرزيبوليس، وأغلب الظن أن يكون استعمال هذا اللباس قد اقتصر على عهد الرسول، لأننا نراه في أحاديث كثيرة يدخل الثياب الأخرى، وخاصة منها الثياب المخيطة كما يُدخل الثياب الأخرى التي كانت ملونة ببعض الألوان، في المبتدعات، وأنه كان يحظر على الحجاج في مكة ارتداءها. فما أن يصير الحاج على مسافة قريبة من مكة حتى يتعين عليه أن يرتدي لباس الإحرام، الذي لا يعدو على وجه التحديد أن يكون اللباس القديم الذي جئنا بوصفه والمتألف من الوزرة والمعطف. فسميت الوزرة حينئذ إزاراً والمعطف «رداء».

ونحن نرى في هذا المجال، كما في غيره من المجالات الأخرى، كيف أن مجموعة من الأعراف والعادات القديمة التي لم يعد لها استعمال في غير الاحتفالات الدينية قد صارت تُفرغ عليها مجموعة من الأشكال الدينية، وكذلك هو الشأن عندنا؛ فالثياب التي يلبسها القس الكاثوليكي والحلة التي يتزين بها تعتبر من مخلفات اللباس الذي عرفه الناس في العصور القديمة، وأغلب الظن أن يكون هذا اللباس قد عرفاه كذلك أقوام أخرى من غير العرب أيضاً، فأهل حاحا قد كانوا إلى زمن الحسن الوزان لا يزالون يلبسونه، فقد كتب أن لباس معظم هؤلاء الناس قطعة من الصوف يسمونها «كساء»، يشبه القماش الذي يُتخذ أغطية للفرش في إيطاليا، فهم يلفون به أجسامهم جيداً، ويأتزرون بنوع من الأشرطة الصوفية فهم يغطون بها الأجزاء الخاصة من أجسامهم. فالذي يبدو من هذا أن اللباس الوحيد إنما ظهر في وقت لاحق، مثلما أن اللباس المخيط قد جاء من بعد اللباس غير المخيط، وقد استمر الرجال في المغرب على ارتداء اللباس غير المخيط، على هيأة كساء أو حايك.

لبس الحايك عند المغاربة :

وأما طريقة المغاربة من الحضريين في لبس الحايك، فتكون عامة بأن يجعل الرجل إحدى قرنات هذه القطعة من الثوب على كتفه اليسرى ويقبض بطرفه باليد اليسرى، ويلقي ببقية الحايك وراء ظهره، ويسنده مؤقتاً بكتفه اليمنى، فيما يتدلى طرفه على الأرض، ثم يرفعه فوق هذه الكتف ويمرره من تحت الذراع اليمنى، ويرفعه ناحية اليسار، ويرفعه مؤقتاً بيديه فوق رأسه، وفي تلك اللحظة يصوبه فوق رأسه، ويرخي القماش بحيث يغطي الذراع اليسرى كلها، وتكون الذراع اليمنى متدلية بطبيعة الحال، بحيث تتيح للحايك أن يتدلى على الجانب الأيمن ، ثم يخفض ذراعه اليسرى وهو يشد الحايك، بحيث يثبته من هذا الجانب، وحينذاك لا يبقى له إلا أن يرسل بيده اليمنى من فوق كتفه اليسرى الحايك الذي يتدلى على الجانب الأيمن، وعندئذ يكتمل التحليف؛ فالحايك يُلف على الجسم مرتين، ويمرر فوق الرأس، وما تبقى منه تنسدل على الظهر إلى أن يلامس الأرض .

فإذا نظرت إلى هذا اللباس من قبُل رأيته لا يغطي غير مثلث في وسط الجسم، لكن إذا رفع الحايك إلى أعلى في لفته الأولى لم يترك شيئاً من الجسم كشيفاً، بل يمكن تدبر الحايك بحيث يُجعل هذا القسم منه الذي يُلف اللفة الأولى من حول القسم العلوي من الجسم على هيأة جيب يتدلى جزء منه، ويكشف عن الذراع اليسرى، وأما إذا رغب المغربي في أن يترك يديه طليقتين،  يمرره من تحت عنقه ثم من تحت ذراعه اليمنى، ويلقي بما تبقى من فوق كتفه، ويمكنه كذلك ألا يلقي ببقية الحايك من فوق كتفه اليسرى وأن يلقي بها من فوق كتفه اليمنى، وهذه الكيفية في ارتداء الحايك تراها خاصة عند الشبان المتأنقين، وعند العشاق، وتراها في المحصل عند أولاد الأعيان، غير أن الحايك الذي يلبس على هذا الوجه لا يثبت جيداً على الجسم، ومع أن يدي لابسه تكونان طليقتين اثنتاهما، فإن الذي يلبس الحايك على هذه الصورة لا يكون بوسعه أن يقوم بأي عمل يتطلبه المجهود الكبير.

ارتداء الحايك عند دكالة :

تتحلى نساء الدكاليين بكثير من حلي الفضة والعقيق الأحمر، فهذا الحديث بفيدنا في سمتين من أبرز السمات التي تدلنا منذ الوهلة الأولى على أهل دكالة؛ أقصد السحر والفتنة اللذين تتصف بهما النساء الدكاليات.

لا يمد الدكالي الرجل الحايك إلى مقدم جبينه وإنما يقصره خلف رأسه، وإذا أراد الدكالي أن يكون مرتاحاً في لباسه لم يجعل اللفة الأخيرة من الحايك على كتفه اليمنى وإنما يلقيه على الكتف اليسرى، ثم إنه يمرره من تحت الكتف اليمنى ويلقيه، كما رأينا سابقاً، على الكتف اليسرى، بحيث تلبث  ذراعه اليمنى عارية، على نحو ما يفعلون في الإحرام،  والدكاليون يغدون ويروحون ويعملون وهم في راحة تامة في هذا اللباس الذي لا يشده إلى أجسامهم شيء.

لكن هنالك بعض الأشغال، مثل نكش الحقول بالمعول، فهي أشغال لا يقومون بها وهم يرتدون الحايك خوفا من أن ينحل عنهم لباسهم ويسقط، ولذلك فإذا أزمعوا القيام ببعض الأشغال التي تتطلب منهم المجهود الكبير عمدوا إلى تثبيت ذلك اللباس على أجسامهم، فالرجل إذا لبس الحايك، جذب بيده اليسرى الطرف الأول، ذلك الطرف الذي تركه حين شروعه في لف جسمه بهذا اللباس متدلياً قدامه من فوق كتفه اليسرى، ثم يعقده تحت عنقه بعقدتين إلى الطرف الآخر من الحايك الذي يتدلى خلف ظهره والذي يرده بذلك إلى الأمام حول عنقه من فوق كتفه الأيمن، وبذا يتأتى له أن يثبت الحايك بطريقة جيدة، ويصير بمقدوره أن ينكب على العمل بكل اطمئنان، ويبقى الرأس في تلك الأثناء عارياً معرضاً لأشعة الشمس، كما في الإحرام، ولن تسمع دكالة يشتكون من هذا الأمر كما يشتكي معظم الحجاج قلة الراحة في هذا اللباس المقدس، وقلما تجد منهم الدكاليين من يلف رأسه برزة صغيرة، ثم إن هذه الزينة لا تنفعهم شيئاً في اتقاء الحرارة.

عن كتاب إدمون دوتي وبتصرف

الكاتب admon

admon

مواضيع متعلقة

اترك رداً