طقوس وأساطير “الصقار الدكالي” في قنص وترويض الصقور

img

بقلم حسن فاتح

mk1168_66666 (small)

كثيرة هي الاساطير المرتبطة بالصقور، ومعظمها تشير الى ان الصقر هو أكثر الطيور نُبلاً ، شعب الهنود الحمر قدسوا الصقر قديما، واعتبروا ان الصقر الذهبي “تويش” هو من ترأس الحيوانات جميعا قبل ان يرث الانسان الارض ومن عليها، أما قبائل جنوب شرق أمريكا فقد استخدموا أجزاء الصقور كحليات معلَّقة رغبة في استعادة حِدة نظر الصقر، وبآسيا الوسطى استُخدِم الصقر كشعار وطوطم لأكثر من 24 قبيلة بآسيا الوسطى، أما في مصر القديمة، فقد استخدَموا الصقر كأحد الأشكال المميزة للمعبود “حورس” مُمثِّل الملَكيَّة في حضارة المصريين القدماء، وأحد معبودات مدينة “هليوبوليس”.

أما في منطقة دكالة وبالضبط لدى قبيلة القواسمة، فقد كانت لوليهم “سيدي علي بلقاسم” أسطورة قديمة تمنح علاقة الانسان بالصقر بعدا غرائبيا، حيث تقول بان وليهم كانت له جنية اسمها (أحا) تخدمه، فكان كلما رغب في الخروج للقنص ينادي عليها لتجمع له جميعprp-fauc-4-2 صقور الغاب كي يصيد بها، وجرت العادة أن يأكل الصقر كل الطرائد التي يقوم بصيدها عند ختام رحلة القنص، ولم يكن “سيدي علي بلقاسم” يحتفظ منها بشيء لنفسه.

وحينما شعر الولي “سيدي علي بلقاسم” بين عامي 1539 م أو 1544 م،  بدُنُوِّ أجله طلب من الجنية “أحا” أن تجمع له صقور الغاب للمرة الأخيرة، فقام بربط كل الصقور من قوائمها، خوفا أن لا تطيع ذريته بعد وفاته، وهنا تدخل “صقر حكيم” ليقترح على الولي حلاًّ وسطاً، بان تغطى أعينهم الصقور بالغماء “الكبيل” بدل القيد، والاكتفاء بالصيحة ليلبي الصقر النداء ولو كان في جوف السماء.

ولقد نسج الصقارون الدكاليون حول حماية بَرَكة الولي سيدي علي بلقاسم حكايات وأساطير تترجم في العمق مدى قوة ارتباطهم الروحي به وبزاويته، لكن أغلبها ضاع بضياع الذاكرة الحية.

Nouvelle-image11111111111-283x330تعتبر قبيلة “القواسمة” الموجودة في عمق دكالة، المنحدرة من إحدى القبائل العربية في المشرق، هي المعقل الرئيسي والأخير لتربية الصقور في المغرب، فحينما يستضيفك “القاسمي” ببيته، فإنك تستأنس سريعا بطيبوبته الفطرية، وتقرأ في نظراته فخرا عجيبا بصقره، الذي لا يساويه بلغة المال بقدر ما يساويه تماما بأحد أبنائه، فتربية الصقور هي في العادة هواية الملوك والأثرياء، لكن لدى “القواسمة” أصبحت هوسا وتحديا يعاركون به ضنك العيش بصعوبة للاستمرار في هذه الهواية النبيلة.

كان  “القاسميون” في عصرهم الذهبي يوفرون لسلاطين المغرب بَيّازين حذقين وصقورا جيدة، وفي المقابل كانوا  يحصلون من السلاطين على رسائل سلطانية، عبارة ظهائر التوقير والاحترام، تعفيهم من التجنيد في الجندية ومن الضرائب.

يصطاد القاسمي صقره من الأجراف البحرية الواقعة جنوب آسفي وحتى أكادير، قبل أن يصل سن البلوغ، وهذا هو نوع من الوعي البيئي فطريا، اكتسبوه بطول الممارسة، حتى إذا صار الصقر قادرا على القنص وحده لا يحتفظون بها أكثر من أربع سنين، فيعيدونه إلى الحياة البرية بعد ذلك، لأنها تصير بالغة، كي تتزاوج وتتكاثر.

يتم صيد الصقر بعد التعرف على أماكن وجوده في أعقاب فترة طويلة من الترصد لأثره، من طرف صيادينfw_le360_fauconnier_-5 ماهرين، ويستعملون لذلك إما شبكة أو باستدراج الجارح إلى فخ عن طريق حمامة مربوطة بخيط، وبمجرد ما يتم أسر الصياد للصقر يضع على رأسه برقعا يمنعه من الرؤية ويقيد قدميه، ثم يسلمه إلى الصقار الذي له تجربة طويلة في تدجين الجوارح البرية.

وخلال الأربعين يوما التي يستغرقها تدريب الصقر، تنشأ علاقة حميمة بين الصقار وصاحبه، تقوم على مودة وثقة حيث يكتشف كل منهما طباع الآخر؛ إذ تختلف الطبائع من صقر لآخر كما يقول العارفون، مثلما تختلف بين إنسان وآخر، ويأخذ الصقار جارحه خلال مرحلة التدريب إلى رحلات صيد حقيقية لاكتشاف وتجريب قدراته ومهاراته في قنص الطرائد الحية، وتطويعه على الخضوع.

من أشهر واكبر الصقارين بالمغرب وبدكالة على الخصوص نجد “قدور مقصوري”، وهو من أكبر المعمرين في العالم، توفي سنة 2015 عن سن تناهز 130 سنة، عايش فترة حكم سبعة سلاطين علويين بداية بحقبة المولى الحسن الأول إلى الملك محمد السادس، هذا الشيخ المتوسط القامة كان 622_dyn_1449133190يرتدي دائما جلبابا ناصع البياض، وعمامة مشرقية مرتبة بعناية تعلو وجهه الذي غزته التجاعيد.

كان سي قدور يقوم بزيارات متكررة رفقة مجموعة من أقرانه صوب الرباط تلبية لدعوات ملكية في عهد محمد الخامس ليخرجوا سويا في رحلات صيد بالصقور مع الأمير مولاي الحسن آنذاك (الحسن الثاني) والأمير مولاي عبد الله مصحوبين بطيورهم المدرّبة لأن هذه الرياضة كانت تستهويهما كثيرا، و في المقابل كانا يغدقان عليهم قيما مالية كبيرة تقدّر بخمسمائة درهم و خمسين كيلو من السكر إضافة إلى طن من “النخالة”.

تلقى الشيخ المقصوري تدريب الصقور على يد عمه سي الهاشمي أولى أبجدياتها، الذي عايش فترة القايد سي عيسى بمنطقة عبدة الذي اشتهر بقصته مع خربوشة، كان  سي قدور مقصوري  يسافر إلى منطقة “حاحا” لصيد الصقور ويفضل أن تكوDraa_2ن أنثى لأن حجم الذكور يكون نحيلا قبل إخضاعها لبرنامج تدريب صارم ومضبوط.

استكانت الصقور بعد وفاة “سي قدور” رحمه الله وهو آخر الصقارين الذين أنجبتهم الطبيعة،  لتدخل بذلك الجوارح في راحة قسرية طويلة أعفتها من القنص الطبيعي الذي هو غريزتها الأصلية، وأصبح الصقر الدكالي الآن جزءا من الفولكلور المحلي، ومن نتائج ذلك أن الإقبال على اقتناء الصقور وتدجينها لم يعد يغري كثيرا الأجيال الجديدة من القواسم، كما كان عليه الأمر سابقا، ولعل ذلك يمثل أكبر تهديد بانقراض “الصقارة” عند القواسم، ومن المغرب في مستقبل الأيام.

كما أصبحت مخاطر أخرى كثيرة تتهدد الصقور سواء البرية منها أو المدجنة، ومنها تهور بعض القناصين الذين يطلقون عليها النار إما بالخطأ أو بالقصد، بمبرر أنها تزاحمهم على الطرائد، فضلا عن مخاطر انتشار المبيدات الزراعية التي تسمم الطيور والفرائس التي تقتات عليها الصقور، فتتعرض بدورها للتسمم والنفوق.

small_400_530754129-mini

عن مجموعة من الأبحاث وبتصرف

الكاتب admon

admon

مواضيع متعلقة

اترك رداً