حكايات برتغاليين من أصول دكالية … أسر، عبودية، تنصير وتعذيب !

img

بقلم حسن فاتح

كانت دولة البرتغال في القرنين XV  و XVI أكبر قوة بحرية استعمارية، شملت أراض في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، وقد أكدت العديد من الدراسات والوثائق اهتمام البرتغاليين بمنطقة “دكالة” أكثر من أي مستعمرة أخرى بالمغربqnakids_vasco_20052012، لأنها كانت تنتج لوحدها من الحبوب ما يمكن أن يسد حاجيات البرتغال وبعض مستعمراته التي كانت تصل الى 2000 طن من الحبوب سنويا.

يحمل العديد من سكان شبه الجزيرة الإيبيرية ملامح مغربية او بالأحرى دكالية،  وهذا ما استنتجته مجلة “تايمز” البريطانية من خلال دراستها الميدانية، المعتمدة على تحليلات الجينات “ADN”، حيث تأكد أن العديد من البرتغاليين هم من أصول مغربية، بمعدل برتغالي من كل عشرة  “10/1” تكون أصوله مغربية،  هذا الاستنتاج القوي يشير الى ان مستوى التحول والتنصير كان قويا جدا في ذاك الوقت على يد القادة المسيحيين البرتغاليين .

يظهر تأثير هذا المزيج الإثني بالبرتغال في العديد من المظاهر، فمن حيث الشكل تقترب ملامح الكثير من سكان البرتغاليين من الدكاليين، شعر أسود أو بني داكن مع عيون بنية في الغالب، ولون الوجه قمحي او أسمر فاتح، فحتى نمط الحياة بينهم لا يختلف كثيرا، فهما شعبين كريمين وخدومين ومحبين للحياة …، بل حتى القاموس اللغوي للبرتغاليين غني بكلمات اللهجة المغربية أوالدكالية، كالخرشوف alcachofra، قطران alcatrão، السكر açúcar،  المايدة Almeida، الكسكس cuscuz، ليمن Iémen، الجرة jarra، الطاسة taça، الشراب Xarope، الشيخ Xeque …

تمكن البرتغاليون من دخول دكالة سنة 1505 تقريبا، فعاثوا فيها فسادا من خلال غارات خاطفة لأسر الدكاليين العزل، حيث بلغ عدد الأسرى عشرات الآلاف بين سنوات 1525 و1530، فقد جمع “يعقوب بن الغربي” ثروة طslave2ائلة من بيعه لدكاليين أبناء جلدته، ليتم ترحيلهم كسلع مخزنة في بواخر نحو البرتغال، وقبل ذلك يتم تنصيرهم وتغيير أسمائهم حتى لا يرجعوا الى دينهم، ويكون هذا تحت التعذيب والتهديد بالسجن او بالإعدام، ولتمييزهم عن باقي الاسرى اعتاد البرتغاليون رشم هؤلاء العبيد بعلامات أو بأحرف على وجوههم بالنار.

خلال مجاعة عام 1521 الكبرى عرض العديد من الدكاليين أنفسهم ونسائهم وأبنائهم على البرتغاليين بثمن بخس، فقد بلغ حد ثمن الانسان أحيانا الى قفة من التين مقابل “ابنة دكالي” مثلا، حتى أن البعض منهم عرضوا انفسهم بالمجان مقابل سد الرمق، ونظرا لبخس أثمنة الانسان بدكالة، تخلت المراكب التي كانت تقل من آزمور سمك الشابل مقابل شحن الآلاف من المسلمين الى لشبونة مقابل الغذاء فقط، وقد قدر “رودريغش” عدد الذين كانوا يغادرون مدينة ازمور ب1000 شخص يوميا، كما كانت تقلع 50 مركبا يوميا من ميناء آزمور مشحونة بالدكاليين، إضافة الى الآلاف منهم استأذنوا الملك البرتغالي في عبور البحر طوعا الى البرتغال فرارا من الجوع، ويقدرون ب100 الف دكالي حسب الاخباري “دوكويش” .

هناك العديد من القصص والحكايات يرويها المؤرخ “أحمد بوشرب” في مؤلفيه “دكالة والاستعمار البرتغالي”  و”مغاربة في البرتغال” لدكاليين  ودكاليات تعرضوا للأسر والبيع في سوق النخاسة بالبرتغال، والكثير منهم من خلف أبناء وكون أسرا من العبيد، تم بيعهم كذلك بأسواق المستعمرات البرتغالية كاسبانيا والبرازيل والهند والجزر الاطلسية، وكانوا ينعثون بشعب “المورو” .

40968297

تروي المصادر التاريخية أن أسرا بأكملها بيعت في أسواق النخاسة، كما حدث للدكالية “جوانا كالديرا” التي نزحت بمعية أمها وأخويها، او للدكالي “فرانسيسكو دياس” الذي هاجر رفقة أخويه واختيه، كما أجابت الدكالية المسماة “روبوعا  انطونيا” المحققين البرتغاليين الذين سألوها بأنها اختطفت وبيعت بآزمور، ومن هناك نقلت الى البرتغال، أما “بريتيز فرنانديز” فقد تم أسرها و بيعها لمزارع برتغالي استغلها لمدة 14 سنة قبل إعادة بيعها لراهب خدمته ثلاث سنوات، قبل أن تستعيد حريتها وبمعيتها طفل أنجبته من برتغالي خلال العبودية، أما المسكينة الأسيرة “ماريا فرنانديز” فقد رزقت بثلاثة أطفال عانوا بدورهم من العبودية، بينما ولدت دكالية أخرى طفلين بيعا في سن مبكرة بأماكن لم تعرفها.

أما عن اضطهاد وتعذيب الدكاليين المغاربة فكانوا يعتقلون بسبب دينهم الاسلامي او بسبب عاداتهم كالفرح او الحزن،  بل حتى طريقة أكلهم الاصلية توبعوا من أجلها، فقد حوكم “جواوو كويلهو” وهو دكالي بسبب تقديم الكسكس لضيوفه بسبب عقيقة ابنته، ولكونه كذلك وضع الطعام مباشرة على الارض على الطريقة الدكالية  لا على الطاولة كما يفعل البرتغاليين،  كما أعدم المحققون صاحب حانة مغربي لأن برتغالية شاهدته “يحمد الله” قبل الشروع في الأكل وبعده، وكلما أنهى طعامه نادى اطفاله وشرع في تعليمهم الصلوات والدعوات.

و بسبب ذلك حاول العديد من الدكاليين إخفاء إسلامهم بهدف الفرار والعودة الى أراضيهم بالمغرب، حيث أكدت شاهدة برتغالية للمحققين أن الدكالية “أننا دي ميلو” المسلمة هي مسيحية ولم تكن تتوقف عن ذكر السيد المسيح والسيدة العذراء كمسيحية صادقة، كما تم التبليغ عن المدعو “انطونيو دي فاريا” أنه قال “باسم الله” دون أن ينتبه حين أراد حمل كيس من الحبوب، وآخر ذكر الجن مع “باسم الله الرحمن الرحيم”، كما تم التبليغ عن دكالي آخر بكونه كان يتوسل الى “الرسول” عليه السلام كلما أراد أن ينام، وأنه لم يشاهده قط يرشم الصليب على جسده.

1471206804

لم ينفع التنصير الدكاليين في شيء، فقد تعرضوا للتضييق والعنصرية، لدرجة أن مغربي ضاق به الحال فصاح “لعن الله من غير دينه وبدله بغيره … خصوصا وأن هؤلاء القوم لا يميزون بين ما هو مسلم ومن هو متنصر”،   بل أن الدكالية المدعوة ب “أننا باربوزا” تعرضت للسب بمجرد أن أقسمت بالولي الصالح “مولاي بوشعيب السارية” دفين ازمور، كما  حوكما “جوانا كالديرا” و”باربوزا أننا” لأنهما علمتا أبناءهما العربية ولقنتاهم العقيدة الاسلامية ، بينما سارعت أم دكالية  فور عودتها من الكنيسة الى إلغاء التسمية المسيحية وإعطاء ابنتها اسم اسلامي “زهراء”، بينما سمي الدكالي الاخر ابنه “علي”، وفي الزواج حرصت “جواو فرنانديز” و”ابولينا” على إعادة زواجها الذي تم بالكنيسة بآخر اسلامي على يد  المسمى “دييغو رودريغيز” .

حافظ الدكاليون بصعوبة على عاداتهم وتقاليدهم رغم التضييق في تنظيم الأعراس، فقد زوج الدكالي الذي كان يسمى قبل تنصره “السي عبد الله” ابنه ببنت دكالي آخر حوالي 1549 و1550 ، ونظم الصهران المذكوران حفلات كبرى على طريقة المسلمين وعلى طريق البوادي المغربية، فبعد أن دبح “السي عبد الله” الكبش بنفسه جمع صهره بعض دم الذبيحة بكل عناية في إناء قبل دفنه، وقدم للمدعويين المغاربة الكسكس والفتات، ولكي تحضره البركة قرأ الدكالي الاول الذي كان فقيها بعض الآيات القرآنية، وانتقل المدعوون بعد الأكل الى الغناء والرقص بمحضر العروسين، وكان الراقصون يلقون بين الفينة والأخرى بقطع نقدية هدية للزوجين، وأخبر بعض المبلغين المحققين البرتغاليين بأن والد العروس كان سعيدا بتنظيمه تلك الحفلة تماما كما فعل أبوه من قبل بمسقط رأسه في دكالة .2028121

كما عاش الدكاليون بالبرتغال أوقات احزانهم حسب عادات وتقاليد وطنهم، فقد اعترفت الدكالية “اننا دي ميلو” خلال محاكمتها سنة 1559 أنه بعد وفاة زوجها بكته وناحت عليه كمسلمة وعلى طريقة المسلمين، مبعثرة شعرها وخادشة خديها، ومتوسلة في شأن روح وجسد زوجها المذكور الى الوليين “محمد” و” علي” لكي يكونا مع روحه وجسده، واعترفت كذلك أن أخا زوجها اشترى بعد ثلاثة اسابيع من تلك الوفاة كبشا أعدت بلحمه كسكسا لعشاء تصدقت به طلبا لرحمة المتوفى، وقد تخللت الأمسية تلاوة القرآن ودعوات اسلامية، وارتبطوا كذلك بالطقوس والعادات كالتصدق بالخبز والتين المجفف.

هذا إذن جزء يسير من حكايات الدكاليين بالبرتغال قبل أزيد من 500 سنة ، ذلك الدكالي الذي أصبح أسيرا، الأسير صار عبدا، العبد تحول إلى برتغالي، هذا البرتغالي الذي أنجب أبناء … فأحفادا … ليكونوا جزءا مهما من المجتمع البرتغالي، وقد تجدهم الآن مسؤولين مهمين  في الحكومة … وزراء  و رؤساء، أو رياضيون متفوقون … كرونالدو و فيغو، او فنانون بارعون … كاوديث و غارغالو، او مغنون مشهورون … كانمي وڨيلوزو …، وقبلهم الأسطورة التاريخي “مصطفى الآزموري” أو “استيفانيكو” مكتشف الولايات المتحدة الامريكية .

yvuylf5840000000_l

الكاتب admon

admon

مواضيع متعلقة

3 تعليق على “حكايات برتغاليين من أصول دكالية … أسر، عبودية، تنصير وتعذيب !”

  1. يوميات البريجة
    هل يمكن أن يكون رونالدو وغيره من بعض البرتغاليين من أصول دكالية؟

  2. Hassan Fatih
    بعد الدراسة التي قامت بها مجلة تايمز البريطانية، اعتمادا على تحليلات ADN أثبتت ان ما يزيد عن 10 % من سكان البرتغال هم من المغاربة او بالاحرى من دكالة لانها المنطقة الاكثر تعرضا للاسر والعبودية ، وبالتالي هناك احتمال كبير بان يكون رونادو وغيره من اصول دكالية

  3. Hassan Ameran
    شكرااااااا لك أخي حسن فاتح على المجهودات الجبارة لإنجاح تغطية دكالية

اترك رداً