الصحافة الرياضية المغربية في زمن الاسترزاق والوصولية !

img
مجرد رأي 4 admon

بقلم حسن فاتح

تعاني كرة القدم المغربية في الآونة الأخيرة من تداعيات خطيرة ناجمة عن كثرة الإخفاقات، إهدار المال العام، الصفقات المشبوهة، غياب الفحوصات المالية والتحالفات السلبية … حتى أصبح هذا المجال مرتعا لتجمع واستقطاب الفاسدين والانتهازيين، أصيبت على إثرها أعضاء الجسم الرياضي بعلة الموت البطيء، لا ينفع معه سوى العلاج عبر بَتْرِ ما فَسُدَ منها.

من أهم أعضاء جسم كرة القدم المغربية التي فسُدت نجد الصحافة الرياضية، التي غزاها وباء الاسترزاق والوصولية، فبين عشية وضحاها أصبح الكل يهتم بالإعلام والصحافة، وصار هذا المجال مهنة لمن لا مهنة له، فالتجأ إليه الموظف والعاطل، الأستاذ والتلميذ، النصاب والمبتز، الصالح والطالح، المثقف والأمي …. حتى تشابهت على المواطن مهمة الصحافي، ولم يعد يفرق بين المراسل، الواصف، المعلق، المحلل، المُدوِّن، المُصور، الخبير… بل أصبح الآن من يسمي نفسه ب”العَالِمْ”…. كعلماء “مارس الرياضية” مثلا.

في السنوات الأخيرة تضاعف رواج المعلومات الرياضية، وزاد الهرج والمرج في الساحة الإعلامية، لدرجة أن المُتلقي أمسى يستقبل عشرات الأخبار بل بالمئات أحيانا عبر حساباته الالكترونية المتعددة بين فيسبوك، مِسَنْجر، تْويتَرْ، واتْسابْ، يوتوبْ …. يتوصل على إثرها بأحدث الأخبار، في ظل امتلاكه للتكنلوجيا الجديدة والخدمات الخارقة للهواتف الذكية.

كما أن شكل الأخبار أخذ هو الآخر حُلَّة جديدة ليتم تجاوز الكتابات الكلاسيكية، والاقتصار فقط على الأخبار السريعة الاطلاع كالفيديوهات، السْكُوبَّاتْ، الصور، العناوين…، وفي ظل هذه التخمة الدسمة من الأخبار، أصيب عقل المواطن بسُمْنة غريبة من المعلومات، أثرت على جودة قراءته وتحليلاته، والنتيجة هي ولادة شريحة جديدة في المجتمع، لا هم بمثقفين ولا هم بأميين بل هم فصيلة ساذجة، تساق كالقطيع بأخبار وبإشاعات ليست ذا أهمية.

لم يعد يحمل هذا الصحافي “الجديد” قرطاسا وقلما لتحرير مقالة أو عمودا بل أضحى يستخدم فقط هاتفا محمولا يلتقط به أي حركة تروج أمامه، وكل كلمة يفوح بها شخص ما، ليتم تدوينها كأنها خبر مفيد رغم محدوديته، حتى أصبح للشيء التَّافه قيمة في الحياة، لدرجة أن الجرائد ضاقت مساحاتها بأخبار الرياضيين، أكثر بكثير من المساحات المخصصة لإبداعات العلماء والأدباء.

هذا الفصيل الجديد من المراسلين الصحافيين، هم بمثابة “علماء في زُمْرَةِ الأدباء…. وأدباء في زُمْرَةِ العلماء”، فلا هم بقُرّاء ولا هم بصحافيين، هم أداة فقط لنقل الخبر بدون استخدام أي منطق أو اجتهاد، فهم يعتبرون مصادر الخبر مقدسة كحديث الأنبياء لا يمكن تأويلها، وهذا ما ساهم في نقل الأكاذيب وانتشار الإشاعات بين المواطنين البسطاء، يُضَخِّمون الصغار ويُقَزِّمون الكبار، حتى أصبحت قيمة اللاعب لا تعكس قدراته الفنية، يبدو لك “أسدًا” بين كتابات الصحافيين بينما في الملعب هو “نَسْناسٌ” يتنَطَّطْ .

إن الفراغ المهول الذي خلّفته الوزارة الوصية على القطاع من خلال ضعفها في تكوين وإنتاج أعدادا كافية من الصحافيين المحترفين، هو من كان وراء بروز هذا النوع الجديد من “المراسلين”، حيث التجأت مختلف الصحف إلى الاستعانة بمستخدمين أو بمعطلين لتعويض ذلك الخصاص، وبما أن ممارسة مهمة الصحافة لم تأت بدافع العشق أو الهواية، تحولت لدى البعض إلى وسيلة للارتزاق والوصولية.

لُقٍّبَت الصحافة منذ سنوات بالسلطة الرابعة، لما لها من دور مهم في تدبير الشأن العام المحلي والوطني، أما الآن فقد فقدت الشيء الكثير من سلطتها بعدما أصبح الإعلام الرياضي “بوقاً” يُؤجَّر للمسيّرين وللمتطفلين العابثين بالشأن الرياضي، وأصبح المراسل الصحافي مجرد “كَاري حَنْكُو” للمسؤول أو ل”صَاحَبْ الشّْكَارَة” مقابل أجر زهيد، فهذا النوع الجديد من المأجورين مهما تحسنت أجورهم يبقون دائما نوعا من العبيد.

إن هذا المراسل ليس بملاك ولا بشيطان، لكن حينما يريد أن يفعل ملاكا يصير شيطانا، ويرتكب خطايا في حق كرة القدم المغربية، ومن أفضع هذه الخطايا هو ممارسته للارتزاق وللوصولية، وبفعلهما يصبح كذّابًا حينما يعمل على تجميل الواقع المُرّ لكرة القدم، وسارقًا حينما يسطو على مجهودات غيره من مقالات أو مشاريع، وخائنًا لثقة المواطن حينما يصطف وراء اللّصِّ والانتهازي، ومنافقًا حينما تجده مع الظالم والمظلوم ومع المُصْلح والمُفْسد، ونخَّاسًا حينما يتقَمَّص دور وكيل اللاعبين أو “سَمْسارْ البَشَرْ”.

بهذه الممارسات السلبية تراجع كثيرا مستوى كرة القدم المغربية، لأن الصحافة الرياضية لم تحترم أهدافها النبيلة التي جاءت من أجلها، و لم تعد تلك المرآة التي تعكس نقط ضعف الجسم الرياضي من اعوجاج المسيرين، استهتار اللاعبين، فساد الحكام، ووحشية الجماهير…، حتى أصبحت الأكذوبة بهذا الميدان حقيقة مرسومة بأقلام المراسلين الصحافيين، بينما الحقيقة هي خيال لا يراها الشعب إلا عبر الصحون الموجهة إلى الخارج.

يجب الاقتداء بالسلف الصالح للصحافة الرياضية، تلك الأقلام الذهبية والحناجر الحرة التي لم تأب يوما على نفسها الجري وراء المال، أو التَّملُّق لأنْصافِ المسؤولين، أولئك الرُوَّاد اللذين أسسوا الصحافة الرياضية على حقّ، أمثال دانيال بيلار، عبد اللطيف الغربي، حسين الحياني، نور الدين اكديرة، كمال لحلو،  محمد الزوين، عبد اللطيف الشرايبي، نجيب السالمي، بلعيد بويميد، محمد العزاوي، سعيد زدوق، عبد الفتاح الحراق، مصطفى بدري، بدر الدين الادريسي وغيرهم…، لقد تعلمنا على أيديهم الخصال الحميدة عبر مقالاتهم وتعليقاتهم الشفافة كالصدق، الحياد، النزاهة، البلاغة….

يجب التوقف إذنْ إلصاق الأزمة الشاذّة والغريبة التي تمر منها كرة القدم المغربية فقط بالمشاكل الإدارية أو بالأزمات المالية، أو بالخصاص الطاكتيكي في برامج الأطر التقنية، أو بتراجع مستوى اللاعب التقني والبدني، بل يعود نصيب مهم من هذه الانتكاسة الكروية إلى الصحافيين الرياضيين الذين احترفوا الارتزاق والوصولية، ونسوا الأهداف النبيلة التي جاؤوا من أجلها.

تم نشره من قبل في جريدة أصداء مزغان

الكاتب admon

admon

مواضيع متعلقة

4 تعليق على “الصحافة الرياضية المغربية في زمن الاسترزاق والوصولية !”

  1. El Houceine El Hayani
    افول لك هنئيئا..؟
    غير كاف..أقول لك: أنت اسثناء مميز سينساب ـ لا محالة ـ في شرايين صحافة شريفة..

  2. Aboulkacem Aboufariss
    bravo cher collegue tu as mis le couteau sur la plaie. les journaleux dont tu parles sont nombreux

  3. Mabrouk Benazzouz
    تحليل رصين ومقاربة اعلامية مركزة.ونداء لتحرير القطاع من اجل نهضة القطاع فهل يقوى “المرتزقة”على الاقتداء…

  4. E-Rachik Senhaji Lotfi .
    عندما يعجز اللسان عن وصف ما قرائه
    هنا تجد نفسك تائه بين الكلمات و الجمل لتعبر عن أشياء لم يسمح لك قلمك بأن تتكلم عنها لاعتبارات متعددة ومختلفة
    لكن مقال قديم جديد للأستاذ حسن فاتح في أسطره الأولى وضح الكثير من المعاناة التي باتت “صاحبة الجلالة” تشتكي منها…

ردأ على admon

إلغاء الرد