رحيل الشاعر الفلسطيني عن الجديديين … وقلبه حزين عن جنته المفقودة “فلسطين”

img

بقلم حسن فاتح

كانت لي جلسات عابرة محفورة بذاكرتي مع أستاذي الجليل محمود الشاعر الفلسطيني، وكان في كل مرةchair 8 يزورني يحكي لي بألم وحرقة عن جنته المفقودة “فلسطين” التي اغتصبتها اسرائيل، ويتحدث بمرارة عن الانهزام المؤلم للقوات العربية أمام استيلاء العصابات اليهودية على المدن والدواوير، ويزيد من ألمي حينما كان يصور لي مناظر النازحين الذين يقتفون مواكب “جنازة فلسطين” التي عجزت الجيوش العربية عن مواراتها، كما كان أستاذي يشوقني كثيرا عبر تفاصيله الدقيقة في وصف بلاده كلوحة قد يعجز عن تشكيلها أبرع الفنانين.

ولد الأستاذ محمود أحمد الحسين الشاعر في الثامن من شهر مارس عام 1932 بمدينة الفالوجة الفلسطينية، وسط أسرة مكونة من أبوين بسيطين وأربعة إخوة هم مصطفى، محمود، عبد المجيد ويوسف، كانت هذه الأسرة تعيش كباقي الأسر الفلسطينية في سلم وسلام وسط أرض الفالوجة السخية والمعطاءة، ذات الحقول والمزارع التي تفيض خيراتها وبركاتها على مناطق فلسطين والبلاد العربية عامة، إنها جزء من أرض الله الطاهرة والمجاهدة، أرض الأنبياء والرسل،  أرض أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين.

ألحق الطفل الشاعر بكتاب الفالوجة للشيخ عبد الحميد رغما عنه، وكان يساق إليه سوقا خوفا من عقوبة الضرب التي كان ينزل بها الشيخ المقعد على تلامذته، لذا كان الطفل يفضل التنقل بين الحقول والزروع على الذهاب الى الكتاب، بعدها تلقى التلميذ الشاعر تعليمه الابتدائي في مدرسة الفالوجة سنة 1938، واحتفظ طول حياته بذكريات هذه المدرسة الجميلة من حيث الموقع في السهل الفسيح على أرض “الزريق” وما احتوت عليه من ثقافة واداب.

chair 4

انقطع الشاعر عن الدراسة من القسم السادس ابتدائي سنة 1947 بسبب أوضاع الحرب بفلسطين، وعند اقترابه من سن العشرين برزت له فكرة الالتحاق بالأزهر الشريف بمصر، فتقدم بطلبه الى الحاكم العسكري لقطاع غزة في شهر مارس 1951 للحصول على التصاريح، ليكمل الطالب محمود الشاعر تعليمه الابتدائي والثانوي في معهد الازهر الشريف، ثم التحق بعد ذلك بكلية أصول الدين عام 1958، وواصل دراسته فيها الى السنة الرابعة، بعدها تهيأ للشهادة العليا عام 1961، لكن كانت ظروف الإعداد للامتحان صعبة بسبب مرض الوالدة ورقودها في مستشفى القاهرة.

في شهر أغسطس من عام 1962، تقدم الطالب “محمود الشاعر” بطلب لبعثة مغربية جاءت الى القاهرة بهدف التعاقد مع أساتذة في اللغة العربية، وبالفعل تم قبوله ضمن الاساتذة المتعاقدين شريطة إتمام ملفه بعد الحصول على الإجازة في الدروس العربية، وقد تم له ذلك رفقة العديد من الأساتذة المصريين والفلسطينيين أهمهم رفيقه بمدينة الجديدة “محمد حسين اسليم” رحمه الله، فتم تعيينه كأستاذ للتعليم الثانوي بمدينة “سيدي بنور” لمدة سنتين، ليضطر بعدها الانتقال الى مدينة “الجديدة” سنة 1964 والعمل كأستاذ لمادة اللغة العربية بثانوية ابن خلدون، ومكث فيها حتى تقاعد سنة 1998.

كان الأستاذ الشاعر رحمه الله متيما ببلاده ووطنه فلسطين، وقد حكى لي عبر مذكراته عن جمالها الرائع والخلاب، حيث عشق خريفها بعواصفها وثلوجها وأمطارها، وأحب كذلك ربيعها المتعدد الألوان والأشكال، في الحقول وفي الchair 5بساتين والأودية، وعلى السهول والجبال والتلال، كما كان شغوفا ببيارات البرتقال والليمون، وأشجار الجمبيز والصبار، والحقول المزينة بالتوت والتين والزيتون، كما كان يحلو له التطهر بمياهها المتدفق من الوديان، ويتنغم بصوت خريرها المداعب للحصى وكأنه رنين حلي في عنق الحسناوات.

يروي لي الشاعر بألم عن يوم نكبة العرب ويوم خسارة فلسطين، فقد كان هذا الكابوس المخيف إحساسا رهيبا لدى كافة الفلسطينيين من فقراء وفلاحين وشعراء، فعبروا عنه في مواويلهم وأهازيجهم، وبما أن الشعراء فيهم قبس من روح الأنبياء، فأن ذلك اليوم كان آت لا ريب فيه.

لم يكن رحيل الشعب الفلسطيني رحيلا عاديا بل كان رحيلا قاسيا نتيجة مؤامرات الأصدقاء قبل الأعداء، إذ تم التفريق بين أبناء العائلة وتهجير الفلسطينيين من بلد الى آخر، و زاد النزوح عن الديار من تعاسة الجار، الذي ظل يبكي على الديار وسوء الأحوال، لقد أكرهوا الفلسطينيون على ترك أراضيهم والنزوح منها نتيجة الدسائس، خاصة بعد دخول الجيوش العربية في 15 مايو 1948، والتي كان دخولها شؤما على العرب والمسلمين، فكانت النتيجة المؤلمة هي اغتصاب فلسطين بكاملها وإقامة دولة إسرائيل اليهودية.

في شهر شتنبر 1948 بدأت الأوضاع تتأزم في جنوب فلسطين، وفي الوقت الذي كانت فيه القنابل تتساقط بدون انقطاع شد أهل الشاعر الرحال، لقد أرغمتهم الطائرات الاسرائيلية على إفراغ الارض عنوة والنزوح نحو غرب فلسطين، وكان الشاعر في رعيان شبابه ينظر بعين الألم والأسى لأفواج النازحين، وباللهفة والحسرة على كروم العنب والتين وهي تموج بثمارها وحسن جمالها، وقد أسر لي رحمه الله أنه لو كان يعلم الواقع الأليم في رحلته الطويلة لبقي في بلده يحيا على أديمها ويموت على أرضها ويدفن في ثراها، ولكن كان هو يريد والله فعل ما يريد.

يروي الشاعر فchair 6ي مذكراته “عانيت أنا وأسرتي كثيرا … حيث لاقينا صعوبات ومشاكل خطيرة في رحلة النزوح، خاصة بعد نفاذ المواد الغذائية والدقيق، وأرغمت من طرف العسكر المصري على السخرة وحفر الخنادق مع مجموعة من الشباب الفلسطيني، اضطررنا بعد ذلك الى مغادرة المكان في 24 من شتنبر 1948، مع سيل المهاجرين الذين أتعبهم المشي وانهكتهم الحرارة، وصلنا الى قرية “جباليا” فحططنا رحالنا تحت شجيرات من الجمبيز، ثم ودعناها في الصباح الباكر نحو قطاع غزة بحي الرمال القريب من حارة التفاح، والغارات الصهيونية تلاحقنا بالقنابل وخطر الجوع يهددنا وفصل الشتاء ينتظرنا”

قررت أسرة الشاعر في سنة 1950 الاستقرار في مدينة غزة، رافضة الانصياع للعيش في المخيمات، ثم بدأ الشاب اليافع في البحث عن العمل للحصول على العيش الكريم للعائلة، ولو كان ذلك في أشقى الأعمال والظروف، فكان من الرجال الذين لا يهمه المظهر بقدر ما يهمه الجيد من الأعمال والإنتاج.

بقي الشاعر مهووسا بالأحداث العسكرية العظيمة التي احتفظت بها ذاكرته على يد ثوار مدينة الفالوجة بلباسهم الوطني وأحزمة الرصاص بالبنادق على أكتافهم، لذا قرر بعد دخوله الأزهر الانضمام الى أفراد الحرس الوطني للجامعات المصرية، والقيام برحلة للمواقع الامامية على خطوط النار بقطاع غزة، والتطوع في الدوريات والطلائع الليلية إلى جانب المقاتلين،  كما انتمى الى جمعية الشبان المسلمين وهو أول اتحاد عربي اعترف به دوليا، يتنمي اليه رئيس دولة فلسطين المرحوم ياسر عرفات ورفاقه المرحومان ابو اياد وابو جهاد… .

لقد تعب الشاعر في تذكر جمال أرض فلسطين وهو بعيد عنها، فهو الذي فطر على تربية chair 7الذوق من تلك الارض المقدسة، وسعد بما تنبت من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها …، أو حينما يذكر لنا صحراء النقب كجنات حسان ترخى على الإنسان بنعيمها وظلالها وراحة نفسية، أو عندما يحكي عن مواسم روبين والنبي الصالح وموسم عسقلان في فصل الربيع، أو حينما يذكر قرية الجوران المشهورة بكروم العنب والتوت والرمان، ثم وادي النمل التاريخي الذي تكلم عنه القران الكريم.

قال لي الحاج محمود الشاعر مرة “هل سأنسى يوما ما موطني الجميل؟ ” … أكيد أنه لم ينسه بتاتا، فقد بقي الشاعر يعيش على أمل الرجوع والعودة لجنته المفقودة، فقد أخذ على عهده بأنه سيظل وفيا لوطنه فلسطين، وسيظل يردد لحن الوطن ما دام حيا، حتى في اللحظة التي يهيلون على جثته التراب، لكن القدر لم يمهله حتى لحظة العودة، فوارى جسده رحمه الله التراب المغربي يوم 23 فبراير سنة 2017 عن سن ناهز 85 سنة.

رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جناته، وجعل من العلم الذي علمنا إياه جبالا من الحسنات تسكنه الى جوار الشهداء والصديقين الأبرار.

الكاتب admon

admon

مواضيع متعلقة

10 تعليق على “رحيل الشاعر الفلسطيني عن الجديديين … وقلبه حزين عن جنته المفقودة “فلسطين””

  1. Khadija Chafii
    انا لله و اليه راجعون
    من خيره الأساتذة الذين درسوا لي
    رحمه الله عليه

  2. Mohammed Fouad Lahlali
    بالرحمة والمغفرة لاستادي الشاعر مع التعازي والمواساة للعائلة والأصدقاء

  3. Mohammed Abou Oumayma
    الله يرحمك يا أستاذي.أنا كنت تلميذ بابن خلدون في الفترة ما بين 1965 الى 1972.

اترك رداً