فران الحي البرتغالي بالجديدة … فران بخمسة قرون وأربعة حضارات !

img

بقلم حسن فاتح

لم تخلو أبدا حومات “مزغان العتيقة” من مرفق الفرن أو الفران، كما أنها لم تكن تخلو من مرافق أخرى farane 4مهمة كالسوق والمسجد والحمام، كما لن ينس فرد من أجيال ما قبل السبعينات طريقة حمل “خبز أمه” الى الفران، وأيضا لم يكن يقاوم فرد منا رائحة “خبز جاره” الشهي وهو يمر بزقاق الدرب دون أن يلتمس كسرة خبز من صاحبه.

لقد كان للفرن او الفران مكانة اجتماعية مهمة داخل الحومة، وكان “الفرارني” او “الطراح” يعلم أدق التفاصيل عن الاسر القاطنة بالحومة، ويميز جدا في مستويات عيشها من خلال نوع الدقيق الذي كانت تصنع منه الخبز، من دقيق القمح او الذرة او الشعير، وكذلك طريقة العجين التي تتميز به المرأة “الحادقة” على غيرها، فالكثير من الزيجات قد تأسست انطلاقا من إخباريات صاحب الفران، لقد كان كناشا حقيقيا للعائلات.

يحكي لي أحد “المعلمين الفرارنيين” القدامى بأنه قضى أحلى سنوات عمره في “حفرة” الفران الساخنة، يستقبل من خلالها منذ الصباح الباكر “الوصلات الخشبية” المحملة بكل أنواع الخبز، وكان عليه أن farane 7يضعها داخل بيت النار وفق تنظيم محكم ودقيق، حتى لا يخطئ في عملية إخراجها وإرسالها إلى أصحابها من جديد، ويظل منشغلا بهذا الامر حتى ساعات متأخرة من الليل، طيلة الاسبوع وطول السنة كان يعيش على المدخول الاسبوعي لهذه المهنة بدون تقاعد او تغطية صحية.

يحكي لي “المعلم الفرارني” بأنه اشتغل في العديد من الأفرنة بمدينة الجديدة، منها هو تقليدي ومنها ما هو عصري، وعلم الكثير عنها فهناك ما زال موجودا  ومنها ما اندثر وانقرض، نذكر على سبيل المثال من الأفرنة “فران ولد الوركة”، “فران الحرشة”، “فران الشياظمي”، “فران طاسو”، “فران الحاج أحمد” و”فران فريدو”، لكنه لم ولن ينسى أبدا اشتغاله في “فران الملاح” أو الحي البرتغالي الذي يعد بالنسبة له أقدم فران في العالم.

فعلا يعد فران الحي البرتغالي أقدم وأعتق فران في الجديدة وفي المغرب حتى، لكن مسfarane 6ألة العالمية أمر يجب التدقيق فيه، بينما يمكن احتسابها من حيث سنوات بنائه، أما وظيفة طهي الخبز به أتت مئات السنين بعد تدشينه.

يعود بناء فران الحي البرتغالي حسب الروايات المتواترة إلى سنة 1514، على يد الجنود البرتغاليين لأغراض عسكرية، تتعلق بتذويب الحديد لصناعة “الكور” وتسخينها، فتكون بعد تجهيزها قذائف نارية على المجاهدين المغاربة عبر العديد من المدافع الموزعة على طول سور الحي البرتغالي.

كان يصل عمق الفران في بداية أمره الى 12 متر قبل ان يتم تقليصها حاليا الى 4 امتار، وتتشكل هندسة هذه المعلمة التاريخية من أربعة مدخنات بارزة على سطح البرج نافثة دخانها بشكل كثيف، ومخزن للأخشاب المستعملة في بيت النار، ومكان لترتيب “وصلات الخبز”،  كما يتوفر على مخرج على البحر يفيض منه الماء أحيانا اثناء المد العالي.

لم تستبعد الروايات استخدام هذا الفران من قبل العساكر، أثناء الحصار العسكري من طرف المغاربة، في طهاية الخبز ومأكولات أخرى إfarane 1لى حين الجلاء الاستعمار البرتغالي سنة 1769 عن “المهدومة”، وذلك على يد السلطان سيدي محمد بن عبد الله، بعدما استمر في قصف الأبراج البرتغالية لمدة شهور من على رابية “سيدي يحيى” بشرق المدينة، فحوصر البرتغاليون واكتفوا بطهو الخبز بفران الحي واستعمال المياه المخزنة في المسقاة البرتغالية حتى نفذ منهم ذلك.

مازال فران الحي حاليا صامدا في وجه الزمن، بنايته وجدرانه تتحدث عن أزيد من 500 سنة خلت، تحكي بصمت رهيب عن ماض مجيد دون أن يسمع خبرها إنسان، فمن هنا مر البرتغاليون وسدوا رمق جوعهم أيام الحروب، وهنا طهى سكان اليهود أكلاتهم المقدسة من سخينة ورقاق، ومن هنا كذلك اقتنى الشرطة الفرنسية الخبز وهم يطاردون المقاومين، ومن هنا أيضا تذوق المجاهدون المغاربة خبز الحرية بعد حروب التحرير.

إنه فران معلمة لا يجب نسيانه من الذاكرة، فقد كان فضاء مشتركا للعديد من الحضارات، حضارة البرتغاليين الذين استوطنوا البريجة منذ سنة 1503، بعدما نزل بها “جورج دي ميلو” و”جورج دي أغوير” رؤساء البعثة العسكرية اfarane 5لبرتغالية، ثم حضارة اليهود بعدما ترددت أسرهم كثيرا على هذا المرفق من أحياء الملاح والرجيلة وسيدي الضاوي، إضافة إلى حضارة الفرنسيين الذين حرصوا على إدخال المعمار الجديد للمدينة بقيادة “الماريشال ليوطي”، فهذا الفرن كان مزودهم الرئيسي في مادة الخبز، ثم حضارة المغاربة المسلمين الذين كانوا الاكثر ارتباطا بالفران في طهو الخبز والحلويات والتزود بالنار.

لقد كان هذا الفرن مرفقا حيويا لساكنة احياء الحي البرتغالي المجاورة، وغيرها من الحومات المحيطة به، وكان ثمن طهو الخبزة الواحدة لا يتعدى “4 ريالات” أي 20 سنتيما، ليصل الآن إلى درهم واحد للخبزة، كما كان الفران يقوم بعجن وطهو أزيد من 800 خبزة موجهة للبيع في السوق القديم، وفي بعض الاسواق الاسبوعية المجاورة.

يجاور هذا الفرن القديم فرانا آخر في الجهة الشرقية من الحي البرتغالي بجوار “سجن الصوار” القديم، لكن ملامح فرننا العتيق الآن تنبئ بقرب اندثاره أو زواله، مثل ما يزول كل شيء جميل بهذه المدينة البرتغالية، لذا يجب التحرك لإنقاذه وإدراجه ضمن تراث المدينة التاريخي.

 

الكاتب admon

admon

مواضيع متعلقة

5 تعليق على “فران الحي البرتغالي بالجديدة … فران بخمسة قرون وأربعة حضارات !”

  1. Jilali Derif
    يعتبر مكان هذا الفرن جزءا لا يتجزأ من مدخل الواجهة البحرية لقلعة مازغان البرتغالية . بنيت هذه الواجهة سنة 1542- يعتبر المكان المغطى الذي يفصل بين الباب الداخلي المنفتح على الزنقة الرئيسية للمدينة (رًووَا كارييرا) و باب الإغاثة المفتوح على مرفأ لرسو المراكب الصغيرة أمام باب البحر- الفتحات الموجودة في السقف (استعملت احداها كمذخنة للفرن) تعتبر من عناصر الدفاع في القلعات العسكرية وتسمى Assomoir / فتحات القتل queda mortal مثل مجموعة كبيرة من معالم القلعة التي حولت إما للسكن أو للتجارة والخدمات في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ثم احتلال هذه المعلمة وتحويلها إلى فرن. للمزيد من المعلومات الاطلاع على المقال التالي: https://ame2p.wordpress.com/…/4-a-la-redecouverte…/…

  2. Karima Dardani
    تغير نمط حياة الساكنة ، ثم حلت العصرنة محل تقاليدها……….! .

اترك رداً