مدينة الجديدة … المهيبيلة “المنبودة”

img
مجرد رأي 0 admon

بقلم جديدي – مغترب “النسونجي”

يبدو أن طائر الفينيق الذي تقول الأسطورة إنه يموت ثم ينبعث من رماده لا يزال يتعثر بين غبار الجديدة ونفاياتها. هذه حال مدينتنا الآن، وهكذا تموت المدن. تتراجع الآمال وتتلاشى الأحلام كما يتلاشى موج الشاطئ المتثاقل إلى البحر. لا يعود للمكان في نفوس سكانه وزائريه أثر أو معنى. حتى في أجمل الأغاني وأرقّ القصائد، تفقد المدينة هويتها وذاتها.

يحزنك إذا تجولت في مدن العالم الواسع أن تسمع الناس يغنّون مدنهم بفرح، ويكتبونها بفرح، وأنت لا شيء لك من هذا عن مدينتك. الساكنون في جنيف يسمّون مدينتهم زهرة كل المدن. أهل لندن لا يزالون يرددون الأغاني القديمة ، و كلما عبروا الحدود، “ربما لأنني لندني أحبّك يا لندن. وداعاً يا ميدان بيكاديللي، وداعاً يا ساحة ليستر. ينتابني شعور غريب وأنا أصعد وأهبط في دروبك. ربما لأنني لندني أحبّك يا لندن”. أما في الأرجنتين فيختصر الناس حبّهم لعاصمة بلادهم بكلمات لا يقولها أي شعب آخر في العالم: “الله يسكن في كل مكان لكن مكتبه في بوينس إيريس”.

حين كنت صغيراً كنت أسمع ابنة الجيران تغنّي بكلمات فرنسية عذبة “على جسر أفينيون رقصنا”. حفظت تلك الأغنية، ولم أكن أعرف أين تقع أفينيون، إلا حين تقدم بي العمر فأدركت أنها إحدى مدن جنوب شرق فرنسا. في الجديدة اليوم، من يجسر أن يكتب لأطفاله، أو يعلّمهم أغنية فرحة عن المدينة؟! لا أذكر من طفولتي أغنية عن هذه المدينة، كأن الأقدار كانت تخبئ لنا منذ البدء قصائد حزينة، سنسمعها مع ما سيحدث مع توالي الايام.

ماذا نقول اليوم في مدينة كانت في خيال المراكشيين ” مراكش التانية “، جوهرة ساحرة على شواطئ خلابة؟ أراني كطفل تعلم للتوّ فكّ الحروف، ويريد أن يكتب عن أمه التي رحلت بفاجعة. تأسرني الكلمات وتخونني الذاكرة، وأنا أكتب عن جزء من وطن هو مدينتي . صورة ذاتية هذه التي أخطّها على الورق، عزائي أنها صورة عامة رسمها قبلي ألوف الراحلين، ويرسمها اليوم وكل يوم ألوف الجديديين، في ربوع البلاد وفي أقاصي المعمورة.

يأخذ الزمن مجراه المعهود، فتعلو حناجر تغني بصوت عال: ” الغادي للجديدة”، ويصدح صوت آخر: ” الطاكسي حداك”، ومن هناك، من خلف الفندق المقصود انشاءه لتدمير الجهة، يغط غراب على شجرة ” ديبلاسمو “، ويبدأ يقرأ قصيدة شاعر حالم جاء من الجنوب: “إنها بلاد البؤس المسنّن، إنها بلاد البؤس المسنّن”. لا يريد شيوخ السماسرة والمنافع أن يسمعوا صوت الغراب، فتبدأ الحروب السياسية و تدخل المدينة في المجهول.

كيف لمزكان الصغيرة أن تصمد في وجه هذه الجحافل؟ المدينة البهية النضرة التي شيد “البرتغال” أجمل ما فيها من حجارة و اصوار وشبابيك وشرفات تحولت على يدي أهلها “المقاومين المصطنعين” مدينة من أكثر مدن المغرب بشاعة. من يجرؤ على القول إن جديدتنا لم تكن أيام ” البرتغال” جميلة، من يجرؤ الآن على القول إنها جميلة؟

مدينتنا ، صارت على يد حاكميها ” السفهاء ” ومسؤولي الإدارات البلدية مدينة من الحجارة ومربعاً للنفايات. مسؤولون، لو كانت لنا دولة تحاسب، لكانت السجون مواقعهم، بدلاً من المكاتب وكراسي المناصب المتوارتة، لأن القضاء على روح مدينة، وإهمالها إلى الحد الذي أهملت فيه الجديدة، هو بمنزلة إبادة جماعية للسكان الاصليين، جريمة لا تغتفر. من يقتل مواطناً يدخل السجن أو يُعدم، هكذا تنص القوانين. لكن قتل مواطن أو مجموعة من البشر ليس شيئاً بالقياس إلى قتل مدينة في ذاتها وهويتها ومناخها. في هذا الفعل تكمن جريمة قتل جيل حاضر بكامله، وأجيال لم تأت بعد.

اليوم توقفت الجديدة عن البكاء، حافظت حتى في أشد السنوات قصوة على بناياتها التاريخية، وجسورها وأحيائها وبحورها الجميلة. سألت صديقي ” البهجة” ونحن نتناول الغداء في إحدى الحانات المملوكة لاحدهم عن سر احتفاظ مراكش بجمالها فأجابني: حاربنا الغاشي ، لكن روح المدينة بقي على حاله، لأن في وجدان كل منا شيئاً من التاريخ المراكشي. شعر صديقي بحسه المرهف أنني أفكر في الجديدة…المدينة المنبودة وسألني: كيف حدث في مدينتكم هذا الذي حدث؟ لم أتردد عن القول له إن حروبنا كانت بين ابناء المدينة، لا تعير التراث والتاريخ اهتماماً، وإننا بسبب ذلك فقدنا بشراً وهدمنا الكثير من الحجر.

نتساءل اليوم هل في وسع أحدنا أن يقول: “لكم فاسكم ولي جديدتي”؟ هل يمكننا بالفعل ان نعيد بناء الجديدة وفق خطة نظام اجتماعي إنساني؟ ما الذي بقي من روح المدينة لنحافظ عليه؟ هل يمكن الجيل العاقل الناهض، العقول النيرة والنفوس الحرة الأبية أن تعيد للمدينة جمالها وسحرها القديم؟ كيف نتخلص من نفايات المكاتب، من سماسرة العمارات ، من الزواريب المهملة والبيوت الرثة، من المجمّعات السكنية المكتظة بالناس والعربات والحافلات والسيارات، من المقاهي التي يفوح منها دخان الشيشة، وما يترافق معها من الدخان الصاعد من عوادم السيارات، من الأتربة و الحفر المشلوحة على الطرق، والمظاهر المؤذية للعقل والجسد والروح؟

أزور الجديدة بعد غربة عقود طويلة في مدن كثيرة وأتحسر. أريد أن أذهب إلى ركن صغير، إلى بقعة صغيرة من المدينة، بعيداً عن الضجيج والتلوث والغلاء والجشع السافر وحديث السياسة والسياسيين، فلا أجد. يذهب بي التأمل كل مذهب، وتعود تطرق أذني كلمات صديقي الشاعر القادم من الجنوب: إنها بلاد البؤس المسنّن. عد من حيث أتيت يا ابن آدم، فالأوطان تندثر وتفنى كما يفنى البشر. يراودني شيء من أمل، ثم يخبو بعد حين، ومن ثنايا الصفحات يأتيني الجواب اليقين: السر في بنية ثقافتنا، في الحكم القاتل على الاخرين.

هل نفقد الأمل ونقول: كانت لنا مدينة بهيّة الصنع اسمها البريجة وماتت؟ أم نقول إن هناك أملاً بعد في أن تعود حبيبتنا جميلة كما كانت يوماً؟ الحق أنني لا أعرف. أذهب في الليل إلى كورنيش البحر كما كنت أفعل زمن الصبا. أتطلع إلى القمر والنجوم وأراقب الصخر و قوارب الصيادين…لاقول في الخير ” إرحل “.

 

 

الكاتب admon

admon

مواضيع متعلقة

اترك رداً