لماذا تدير مدينة الجديدة ظهرها للبحر… ؟ !

img
مجرد رأي 1 admon

بقلم حسن فاتح

عودت نفسي كل صباح حينما استيقظ أن ألقي سلامي على مدينتي من البحر، وأشعة الشمس الذهبية تشق سحبا رمادية باردة، وصوت النوارس ينشد مع صخب الموج نحيبا، فسألت نفسي بعدها أمام حزن الجديدة العميق والعجوز، لماذا المدينة كئيبة ومتجهمة تجهم السماء؟  …ولماذا ينتابني احساس بان “جديدتي” تدير ظهرها للبحر؟ … ولماذا هذا الاهمال الذي يطال أطول شريط بحري بالمغرب؟

إذا كانت مصر هبة النيل كما قال “هيرودوتوس” اليوناني في كتابه “التواريخ”، فان الجديدة هبة البحر وجوهرة المحيط، وزمردة الهضاب الاطلسية، لقد هبى الله أراضيها بمؤهلات طبيعية، وديان وخلجان، شواطئ وأجراف، سهول ومروج، غابات وبراري، فهي وليدة تلاقح تضاريس دكالة العجيبة مع عذوبة نهر ام الربيع وملوحة المحيط الاطلسي.

حينما يرتفع ضغطي بفعل اكتضاض الراجلين وضجيج السيارات، اضطر للبحث عن منفذ مطل على البحر، لأزيح عن أذني طنين الفوضى المتراكمة، لكن يزداد ضغطي ضغطا حينما لا أجد في “الكورنيش” ما يفرح، الكل فيه حزين وكئيب، بنايات هرمة ومتهالكة، ملئى بالتجاعيد والتشققات، جدران بألوان صامتة، مقاهي أشبه بالبراريك مصطفة، يحيلك المنظر بأنك أمام مدينة مهجورة …

فبالأمس البعيد سماها “المشير ليوطي”، حاكم المغرب آنذاك، ب”دوفيل المغربية”، نظرا لتشابه خليجها البحري بخليج “دوفيل الفرنسية”، وهي أجمل وأغلى وجهة سياحية بفرنسا، وبالأمس القريب وقع رؤساء المجلس الذين تعاقبوا على مدينة الجديدة عدة اتفاقيات و”توأمات” مع مدن ساحلية جميلة كمدينة “سيت” الفرنسية، “سينترا” البرتغالية و”طاكوما” الأميريكية، لكن دون أن ينعكس ذلك على المدينة.

حسب تصنيف إحدى المجلات السياحية الدولية الشهيرة للمناطق الأكثر جلبا للسياح، فقد تم اختيار عشرة مدن مغربية أغلبها مطل على البحر كطنجة، الحسيمة، أصيلا، الدارالبيضاء، الصويرة، اكادير …، لكن يؤلمك أن لا تعثر على مدينة الجديدة ضمن هذا التصنيف الذي يعتمد على الشاطئ الجميل ورونق الكورنيش.

جل المدن المغربية المطلة على البحر تتجمل بشواطئها، وتحاول جاهدة استثمار واجهاتها البحرية، عن طريق تشييد أفخم الفنادق والمقاهي والارصفة والحدائق، إلا مدينة الجديدة، التي يستوطن في شاطئها الادارات والشركات، مقاهي كالبراريك، أرصفة محفرة وبقايا حدائق متعفنة … .

استحضر الآن مقولة غير مؤرخة للملك “الحسن الثاني” رحمه الله حينما زار مدينة الجديدة يوم 13 مارس من سنة 1982، أنذاك قدم له الجديديون شرف تدشين قصر البلدية الجديد، وأثناء زيارته السامية أطل الملك من شرفة البلدية على البحر، فانبهر بالمنظر الجميل للشاطئ، ليقول للحاضرين بدارجته الحادة “ما صبتو ما تديرو في هاذ البلاصة … غير البلدية ”

للجديدة تاريخ في تعثر المشاريع الملكية، خاصة منها المتواجدة على البحر، كالمشاريع التي قدمت ل”الحسن الثاني” في التسعينيات، القاعة المغطاة، الكازينو الجديد، الميناء الترفيهي، ثم المشاريع التي قدمت ل”محمد السادس” بدءا بإعادة تهيئ الشريط البحري من الميناء إلى الحوزية مرورا  بتهيئة حديقة محمد الخامس وفندق مرحبا وشاطئ “دوفيل” .

مدينة الجديدة لها الحق في أن تكون حزينة وغاضبة، تدير ظهرها للموج وللبحر وللنوارس …، ولها الحق في أن تجهّم محيّاها أمام كل كذاب ومحتال ونصاب، ولها الحق في أن ترفع شكواها لله الخالق القهار، ضد من استرزقوا من جسدها، وسرقوا جمالها، ونصبوا على أبنائها… .

فهي غاضبة من المسؤولين الذين كبروا وتضخموا على حسابها، غاضبة من سكانها الذين أعطوا أصواتهم لأشباه الرجال، مكفهرة من رجالاتها الذين وعدوا وخالفوا الوعد، وحاقدة على من كان سببا في تعثر مشاريع تهيئة المدينة.

سمى سكان الجديدة الاوائل المدينة بعدة مسميات، كل حسب الحدث التاريخي الذي عرفته المنطقة، بدءا ب”روزيبيس” ثم “البريجة” ف”مزغان” و”المهدومة” واخيرا “دوفيل”، لكن بعد هذا الذي تعيشه المدينة من كئابة وغبن وحزن، فمن حق الجديديين ان يغيروا اسمها بما يتوافق مع ظروفها.

إذن …، ألا يمكن لنا تسميتها بالمدينة “الكئيبة”، أو “الحزينة” أو “المغبونة” أو “المغتصبة” حتى… ، فلكم الحق بعد هذا أيها الجديديين إطلاق مخيلتكم للبحث عن اسم يناسبها حتى يتم إصلاح ما فسد ويعود الاعتبار للمدينة، وتتصالح الجديدة من جديد مع البحر.

 

 

الكاتب admon

admon

مواضيع متعلقة

تعليق واحد على “لماذا تدير مدينة الجديدة ظهرها للبحر… ؟ !”

  1. Beau, émouvant et percutant. Chapeau bas cher ami Hassan Fatih. La mentalité qui n’a trouvé à dresser devant le spectacle de cette belle étendue maritime qu’une municipalité continue malheureusement à tourner le dos à tout ce qui est beau dans cette ville.

اترك رداً