انقذوا الجديدة من أيادي المغول والتتار … فالمدينة قد خُرّبتْ !

img
مجرد رأي 3 admon

بقلم حسن فاتح

تعيش الجديدة في ايامها الاخيرة حملات شبيهة بحملات المغول والتتار، الذين عاتوا في بغداد ايام الحكم العباسي فسادا وتخريبا، جعلوا سافلها عاليها، ودمروا حضارتها ومسحوا تاريخها، وجه المقارنة هنا صعب للغاية، لكن فعل التخريب الممنهج الذي يقوم به هؤلاء المنتخبون ليقاس على نفس مقياس اولئك الوحوش، فهؤلاء لم يدخروا جهدا في محو معالم المدينة وطمسها، وتحويلها الى مدينة بدون تاريخ.

سأحاول جاهدا عرض سلسلة التدمير والتخريب والهدم التي تعرضت له مدينة الجديدة على يد مسؤولين تعاقبوا على حكم المدينة منذ الاستقلال إلى الآن، سياستهم أشبه بسياسة “الأرض المحروقة” التي كان يأمر بتطبيقها “هولاكو” في غزواته.

الحلقة الاولى: إزالة كازينو الجديدة من تاريخ المدينة، لقد صدق من سبقنا في الحياة ورحل، وقال إذا عُربت خُربت، فمسلسل التخريب بدأ فعليا مند مدة على أيادي هؤلاء المغول والتتار مباشرة بعد تحكم المغاربة في مستقبل المدن المغربية، عندما عزم الفرنسيون للأسف على الرحيل، وكانت البداية هي إزالة تلك التحفة الذهبية “كازينو الجديدة” الذي كانت تتزين به المدينة، لقد كان رمزا لمدينة مزغان، يذكرونه الاجانب في المجلات والقصص وبطائق البريد.

الحلقة الثانية: الحي البرتغالي تحت وطاة النهب، فبعد ان تسولوا به عند البرتغال، اصبح يعيش تدهورا في بنياته وبناياته، وتتعرض نقوش ابواب منازله للاقتلاع، اضافة الى سرقة الاثار البرتغالية على يد أياد همجية، في غفلة او تواطؤ مع عيون السلطات، كما شهد الحي عملية تفويت شبه سرية لبعض أزقته لصالح مستثمرين اجانب من اجل توسيع فنادقهم ومطاعمهم، هذا دون الحديث عن موضوع سرقة وتهريب مدافع الحي التي كانت تزين البرج بالعشرات، بعدما قاموا بإسقاطها في البحر ليلا ثم بيعها لعصابات الاثار العالمية.

الحلقة الثالثة: تدور حول المسقاة البرتغالية، والتي اعتبرها شخصيا من عجائب الدنيا السبع، وأتسائل دائما عن حالها الذي يتراجع سنة بعد أخرى، مع العلم ان مداخيلها، والتي لا يعلم مصيرها الا الله، في تنام متزايد بعد شهرة المسقاة المتزايدة في الداخل والخارج، وارتفاع السياحة الوطنية أكثر في السنوات الاخيرة، واذا كانت لا تستثمر الادارة المعنية هذه المداخيل على هذه المعلمة من اجل ترميمها وتحسينها فماذا يصنعون اذن بتلك الاموال، و هل تنتظر تلك المصالح حدوث ثقب بها او سقوط سور منها لكي يطلقوا حملة جمع التبرعات والاعانات من الدول الاوروبية واليونيسكو.

الحلقة الرابعة: تدهور حالة كنائس ومعابد المدينة، مع ازالة رموزها، ليعد هذا   ضربا من ضروب الهمجية و”الدعشنة”، ولم تفلت من أيديهم سوى “معارة” أو معبد اليهود، باعتباره حالة خاصة، فاذا كانت اسبانيا الدولة الغازية الصليبية مازالت تحافظ على معالم المساجد الاسلامية بأدق تفاصيلها كما هو الحال بقصر الحمراء ومسجد غرناطة، فماذا نقول عن وصايا الاسلام لنا من اجل الحفاظ على الكنائس والمعابد اليهودية التي تدخل في نطاق بيوت الله.

الحلقة الخامسة: تتمثل في النية المبيتة والغدارة للمجلس البلدي في تطبيق مشاريع إزالة معالم تاريخية اخرى بالمدينة، كفندق فرنسا وعمارة الكوهن وفندق مرحبا، والحاقهم بجريمة الاعدام الذي طالت دكاكين شاطئ المدينة، والتي كانت لوقت قريب جزءا من التاريخ الذهبي للجديديين العاشقين لشاطئ المدينة حد الجنون، فلهم ذكريات خالدة رفقة احبائهم الاحياء منهم او الاموات، فكم من أسرة مزغانية نبتت قصص حبها من تلك البيوت وهم الان منتشرين في العالم، لكن للأسف لم يعد لهم أطلال يتذكرون بها تاريخهم.

الحلقة السادسة: مدينة الجديدة بدون مجالات خضراء، فالحدائق الوحيدة التي تمتلكها المدينة منذ الاستعمار كحديقتي ليوطي وسبيني شاخت وذبلت ولم تعد لها ملامح، وبشكلها المرثي تشكل ندوبا دامية في قلب كل جديدي، فمن عاش سابقا في هذه المعلمات البيئية  سيبكي لحالهما الان، بعدما كانتا يتزينان بالزهور والاشجار والحيوانات والطيور والصهاريج وملاعب الكرة الحديدية، لتصبح اليوم حدائق خاوية على عروشها، مليئة بالأزبال ومرتعا للمتسكعين والالعاب العشوائية.

الحلقة السابعة: مدينتنا أصبحت صماء وبكماء بعد ازالة مراكزها السينمائية الاربعة ك”مرحبا” و”ديفور” و”الريف” و”الملكي”، وهذه الجريمة ترقى الى جرائم ضد الانسانية، مادام ان حذف دور السينما من المدينة هو إفساح المجال للجهل وللامية المدنية، فلقد كان الجديديون يلجأون في السابق لتلك الفضاءات بغرض اضافة التربية المدنية الى ثقافة الأسرة والمدرسة،  فكم ساهمت  تلك الدور السينمائية في تكوين شخصية الجديديين.

الحلقة الثامنة: هي حينما أقدم “هولاكو” هذه المدينة بتدمير سلم فندق مرحبا التاريخي، وان دل هذا على شيء فإنما يدل على ان هذا الشخص لا يفقه ولا يعلم شيئا عن تاريخ الفندق والشخصيات التي مرت منه، وبهذا يثبت بانه ليس ابنا شرعيا للمدينة، لو كان كذلك لفعل المستحيل في الحفاظ على معالمها وآثارها، وقام بجلب مستثمرين لترميمها بدل هدمها، ومن يملك عقلية الهدم والردم لا يجب ان يكون مسؤولا، فهو في منزلة مخربي حضارات العالم كهتلر والاسد والدواعش.

الحلقة التاسعة: عاش من خلالها الجديديون مهزلة زرع اسواق القرب التي احاطوها بالحي البرتغالي المصنف ضمن الثرات العالمي، وفي هذه الايام نعيش مهزلة أخرى تاريخية بعد بناء سور على طول شاطئ البحر، فبعد سور “اسرائيل” ضد الفلسطينيين وسور “ترامب” ضد المكسيك يدخل سور “بوربيعة” في تاريخ المدينة، ويعد هذا مسمار آخر في نعش مدينة الجديدة، فبدلا من إصلاح ما افسدوه في شارع النصر يقومون ببناء سور يمكن أن يتشابه على السياح بسور الصين العظيم.

الحلقة العاشرة: تدور حول مدينة تعرف الان بمواقع التواصل الاجتماعي بمدينة مليون حفرة وحفرة،  فطرقاتها وأزقتها مليئة بالحفر كالتآليل في جسم متعفن، ولا يمكن لجديدي أن يتفاد حفرة حتى يسقط في أخرى، وبسببها انتعشت خزينة مصلحي العجلات وميكانيك السيارات، بل حتى عيادات أطباء أمراض الكلى والمفاصل تشهد توافدا كبيرا عليهم هذه الايام، بعدما زحزحت تلك الحفر أعضاء الجديديين وزادت من آلامهم، إنهم يعيشون الان في “شبه بغريرة” كما شبهها البعض في الفيسبوك.

الحلقة الحادي عشر: عنوانها مدينة بأنوار خافتة واحيانا منعدمة، وهذا شيء مخجل، لان الجديدة من بين المدن المصدرة للطاقة نحو دول اخرى عبر المحطة الحرارية الكائنة قرب الجرف الاصفر، فأزقتها وطرقاتها تعيش في الظلمات، مما يجعل سكانها “يتناطحون” فيما بينهم، سواء مشيا على الاقدام او ركوبا على السيارات، مما يجعل من حوادث السير والجرائم مرتفعة في بعض الشوارع والازقة المظلمة.

الحلقة الثانية عشر: مدينة ملوثة بدون مقابل، وهنا يمكن ان نتسائل عن دور المكتب الشريف للفوسفاط الذي يحقق ارباحا مهولة بفضل صادراته من الاسمدة وحامض الفوسفور نحو العالم باسره، من ميناء الجرف الاصفر، زيادة على  احتلاله لأجود الاراضي وتسلميها لأطرهم بأثمنة بخسة، وفي المقابل يرغم على الجديدي العيش في بيئة ملوثة، حيث ارتفعت مؤخرا نسبة الامراض بشكل غريب، بعضها حديث بمدينة ساحلية، كأمراض الصدر والغدد والكلى والعيون.

الحلقة الثالثة عشرة:  مدينة بدون مرافق حيوية، حيث يحتار زوارها أثناء مقامهم بالجديدة خلال العطل البينية او الصيفية، فلا مقاهي في المستوى ولا مطاعم ولا فنادق، فحتى الشاطئ الذي يعد الملجأ الوحيد للزائر قد تم تدمير أحسن ما فيه من مرافق سياحية، بعدما تمت ازالة الدكاكين والمستودعات والملاعب والمرقص والرشاشات وتعويضها بمقاهي يمتلكها أتباع التتار والمغول، بدون سند قانوني، كما توسعوا على حساب الشاطئ، وتسببوا في التضييق على المصطاف أثناء الاستجمام.

بعد هذه السلسلة المغولية التتارية من التدمير والتخريب التي مارسوها هؤلاء الرؤساء المتعاقبين على مدينة الجديدة منذ سنوات، نتسائل إذن ما الفرق بين ما فعلوه وما فعله مجرمو الحروب في مناطق أخرى كهتلر بألمانيا، الاسد بسوريا، هولاكو ببغداد، نيرون بروما، القيصر بالإسكندرية وبوش بالعراق … .

 

 

الكاتب admon

admon

مواضيع متعلقة

3 تعليق على “انقذوا الجديدة من أيادي المغول والتتار … فالمدينة قد خُرّبتْ !”

  1. Ahmed Mounir Benyous
    Monsieur! Attention aux termes que vous utilisez les tartares et les Mongols sont des peuples! La Mongolie est un état souverain de l’Asie centrale en plus d’être un pays où plus du tiers de la population sont d’obédience Musulmane! Cordialement!

  2. Hassan Fatih
    مصطلحات المغول والتتار اصبحت ذات معنى تاريخي في القاموس العربي، فهي تشير الى عصر هولاكو حينما دمر بغداد وأحرق كتب الااسلام بالالاف حتى اصبحت انهار دجلة والفرات سوداء اللون بفعل الحبر الاسود، اما الان فقد اصبحتا دولتان ذات حضارة و سيادة وأصبحنا نحن المغول والتتار

اترك رداً