“سيدة مزغان” … تلك الطبيبة التي أحبّت الجديديين حدَّ الموت !

img

بقلم حسن فاتح

اسمها “أوجيني روبينشتاين دولانوي”، بولونية من أصول يهودية، واحدة من الشخصيات الناذرة التي مرت بالمغرب، حجزت لها مكانا خاصا في التاريخ، نظرا لممارستها مهنة الطب لمدة 35 سنة بمزغان، اشتغلت وتعاملت مع مختلف الطبقات، ناضلت منذ شبابها بكل شجاعة، امرأة ذكية اجتهدت ونجحت، أحبت مدينة الجديدة وناسها، تحملت كل الصعاب، تزوجت من الطبيب ” بيير دولانوي”، وأنجبت منه الطبيب “غي دولانوي”، ورزقت بحفيدتها الكاتبة “نيلسيا دولانوي” صاحبة كتاب”سيدة مازغان”.

ولدت “أوجيني دولانوي” في مدينة “سوفالكي” الروسية سنة 1887، انخرطت وهي ابنة 17 ربيعا في مجال الكفاح ضد النظام القيصري، ضمن “لجنة المدرسة الثانوية المقاومة” الهادفة الى تشجيع الدراسة في الفئات المعوزة و الفقيرة، هذا النشاط جعلها محط تتبع من قبل الشرطة السياسية باستمرار، مما أجبرها على الفرار من روسيا نحو باريس، لتتابع دراستها هناك في مجال  الطب، مستعينة بعملها كمترجمة لسد حاجياتها اليومية، ونالت دبلوم دكتوره الدولة حول موضوع “حمى التيفويد” بجامعة مونبوليي.

عادت “اوجين” إلى روسيا في سنة 1909 من أجل الحصول على دبلوم الطب في جامعة “سان بيتيرسبوغ”، لكن بعد تعيينها في مهمة قصيرة بمستوصف بمنطقة “نوفغورود” جعلها ترجع إلى باريس للحصول على الإجازة في عدة العلوم .

تزوجت “دولانوي” من طبيب يعمل في المستعمرات الفرنسية، أنجبت منه أول أبنائها عام 1911 أسمته “جورج”، لكنها لم تستطع اللحاق بزوجها المعين بساحل العاج لأن الظروف المناخية هناك غير مواتية، بعدما منعت فرنسا النساء والأطفال الالتحاق بأرباب الأسر المكلفين بمهمة في هذه البلدان.

استجابت السيدة دولانوي سنة 1913 لطلب “المارشال ليوطي” الخاص بتجنيد النساء للعمل كطبيبات في المغرب، وبعد سفر متعب وصلت الى مزغان، حيث وجدت المدينة في ظروف مزرية، مدينة بلا طرق ولا نقل سككي ولا مراحيض ولا قنوات الصرف الصحي، نسبة الوفيات الرضع فيها جد عالية، لكن لحسن الحظ سهل عليها الدكتور “بلان”، الطبيب الرئيس للمصحة المحلية، عملية الاستقرار في المستوصف من أجل التكفل بعلاج النساء والاطفال.

أعطت الطبيبة “دولانوي” أولوياتها لمحاربة حمى المستنقعات والتيفوس بعدما كانت تحصد آلاف الارواح في البلاد، ونظرا لكونها امرأة فقد كسبت ثقة العديد من النساء الدكاليات الذين كانوا لا يتجرأون من قبل على الفحص الطبي، مرفوقة بممرضات يساعدونها في الترجمة، وكانت لا تتردد في الدخول الى أكواخ الأسر الفقيرة وأجسامهن ترتعش بالحرارة وبالحمى، لتوزع عليهم كميات كبيرة من الكينين للبالغين وللأطفال، ولم تكن هذه الزيارات بدون أخطار، فالعديد من الاطباء والممرضين دفعوا حياتهم  بسبب ذلك.

ومن أجل نجاح مهمتها كان الأمر يتطلب توسيع المستشفى لاستقبال المرضى، وموازاة مع ذلك أنشأت “دولانوي” خدمة الزيارات داخل المنازل من قبل الممرضين المغاربة المدربين، لكن عندما تقوم بزيارة المرضى بنفسها، تتلقى الترحيب الحار من طرف الأهالي.

وخلال الحرب العالمية لسنة 1914 نودي على جميع الأطباء الى ميدان المعارك فأصبحت هي الطبيب الرئيس بالمدينة، وحدها المسؤولة عن الخدمات الصحية في مازغان، أنذاك اقترحت بناء مستشفى مختلط لاستيعاب كل من المغاربة والأوروبيين على السواء، المدنيين منهم والعسكريين، ولم يكن ذلك ممكنا لولا ثقة “المارشال ليوطي” في تلك الطبيبة المناضلة ليقدم لها الدعم اللازم للقيام بمشروعها.

أصيبت “دولانوي” بإسهال متحول سنة 1918، بسبب وباء الانفلوانزا الاسبانية ولم تتغلب عليه الا سنة 1920، وشيئا فشيئا بدأت تتحمل المسؤوليات الطبية الأكثر تنوعا، وزادت من خدماتها الصحية، حيث قامت بتكوين الموارد البشرية لمهمة التمريض، مع تطوير منهاج التدريس الصحي، ثم ساهمت في تأسيس “دار الأيتام” بمدينة مزغان، ومؤسسة “قطرة حليب”، كما نظمت مخيمات صيفية.

والى جانب الانشطة الطبية والاجتماعية، كانت “أوجيني” شغوفة بالبستنة وهاوية للموسيقى، فهي التي كانت وراء تنظيم أول تظاهرة فنية فرنسية إسلامية سنة 1937 اجتمع فيها موسيقيون فرنسيون ومغاربة، كما كانت تحافظ على علاقات وطيدة مع السكان المحليين و نبلاء المنطقة والاسر الامبريالية الذين كانوا يقضون عطلهم الصيفية بمزغان.

لقبوها أهالي مدينة الجديدة ب”الطبيبى”، وخلال حوار صحفي لها لجريدة محلية يظهر جليا سبب حب الدكاليين لها، وذلك من خلال حرصها على الحفاظ على عادات وتقاليد الشعوب التي تساعدها، مع تعلمها اللغة العربية لدرجة التحدث بها بطلاقة حتى تكون أكثر قربا من حالتهم الصحية، وأنها تشعر بالمكافئات حينما تزور بعض القرى، ليخرج سكانها من أجل رؤيتها، ويلمسون ملابسها ويقبلون يدها… .

لقد تركت الدكتورة دولانوي بعض المؤلفات من بينها “ثلاثون سنة من النشاط الطبي بالمغرب” سنة 1949، إضافة الى مئات من المذكرات والمنشورات حول الامراض والاوبئة بالمغرب ” كالرمد الحبيبي، الجدام، القراع، مرض الزهري” المنشورة في مجلات متعددة.

عانت دولانوي كثيرا في حياتها، حيث ستحدث لها أمورا غريبة لم تتوقعها، فبعد طول غياب بالمغرب ستزور العائلة بأوروبا، لتفاجأ بمحاولة أسرة الزوج الفرنسية حرمانها من أبنائها بعدما شكّوا في هويتها الدينية، كما تم فصلها فجأة من هيئة الأطباء لأسباب واهية في عهد “الجنرال بيتان” لتهاجر مصدومة إلى أهلها البولنديين بكاليفورنيا الأمريكية، وهناك اشتغلت إلى أن انتهت الحرب سنة 1945.

وعن ابنها “غي دولانوي” الطبيب الاخصائي في أمراض القلب، ورئيس هيئة “الضمير الفرنسي”، المزداد بالجديدة سنة 1916، اعتبرته فرنسا خائنا بسبب مواقفه من أجل استقلال المغرب، فأمروه بعدم التعامل مع المقاومين واستقبالهم في عيادته، كما كان من بين الموقعين على وثيقة رجوع الملك محمد الخامس من المنفى، فقاطع الأوربيون عيادته ولم يعد يكسب قوت يومه، ليضطر إلى مغادرة المغرب من أجل إعالة أطفاله الأربعة، لكن نضاله من أجل استقلال المغرب توّجه حيا وميتا بثلاثة أوسمة علوية من الملوك الثلاثة.

توفيت الطبيبة “أوجين روبينشتاين دولانوي” بأمريكا سنة 1951، وطالبت بحمل رفاتها الى المغرب، وهي ترقد الآن الى جانب زوجها الطبيب “بيير دولانوي” بالمقبرة المسيحية بالجديدة، و بجانبهما ابنهما الطبيب  “غي دولانوي” المتوفى سنة 1990.

لن ينس الجديديون عائلة دولانوي، إنهم ثلاثة أرواح لأطباء أهدوا حياتهم لعلاجات سخية لكل المرضى الفقراء بدكالة، حكت عنهم حفيدتهم ‘نيلسيا دولانوي” في كتابها “امراة من مزغان”، إنها قصة لعائلة أحبت الجديدة والجديدين حد الجنون.

الكاتب admon

admon

مواضيع متعلقة

3 تعليق على ““سيدة مزغان” … تلك الطبيبة التي أحبّت الجديديين حدَّ الموت !”

  1. Brahim El Hajri
    مقال جميل. يعجبني حفرك في ذاكرة هاته المدينة السي حسن

  2. Hassani Mohammed
    Tous mes respects pour l article qui a nécessité sûrement beaucoup de recherches et D analyses au sujet de notre chère ville ses hommes et ses femmes qui ont marqué l histoire D El jadida

اترك رداً